الأولويات بين التفاضل والتكامل

كلما جلست أخطط للعام الجديد أنظر إلى العام المنصرم فأجد مجموعة من الأهداف التي كتبتها ولم أعمل على تحقيقها، وهذه الأهداف بالذات تكون قد تأجلت من عام إلى عام وتجولت في قائمة المهام حتى شبعت تسويفاً وتأجيلا دون أن يصدّقها الواقع، وأصبح وجودها مجرد (ديكور) يزين السطور.

ونحن وإن كنا نسميها (أهدافاً) فهي في الحقيقة آمال نُمنّي أنفسنا بها أو نسعى في سبيل تحصيلها، وكلّ بحسب اهتمامه، فقد يكون طالبا يرفع الجهل عن نفسه، أو فناناً يطوّع ملّكته، أو فضولياً يضرب أكباد الطائرات يجوب البلاد مستكشفاً، أو مفوّها يملأ أجواء المجالس أو يخاطب جماهيره عبر الأثير. وعندما نصدق القول مع أنفسنا سنجد أهدافاً أخرى وضعناها من باب (إبراء الذمة) أو تقليدا لمسايرة الجو العام، أو إيهاماً للنفس بالإنجاز في أمور نال منها التقاعس والتخاذل ما نال.

وما إن تبدأ عجلة الزمن في التدحرج، حتى ننسى كثيرا من وعودنا التي قطعناها على أنفسنا، ويحول بيننا وبينها موج الانشغال، ويجرفنا تيار المشاغل، و بدلاً من نمسك زمام المبادرة لإنجاز ما خططنا له فإننا نغرق في دوامة ردود الأفعال وطوارئ اليوم والليلة.

وكون هذه الأهداف متبوعة بوقف التنفيذ لا يعني بالضرورة أنها بعيدة المنال، أو أن الكسل واقف في طريقها، بل هي الأولويات التي ترتب حياتنا وتحدد ماذا نريد الآن حالاً، وتضع بقية الأمور في قائمة التوافه. وهنا يجدر بنا أن نلتفت إلى أولوياتنا ونتفقد حقيقتها حتى نفهم أنفسنا. ثم نُتبِع هذا الفهم بنَظمٍها نظماً سويّا حتى لا نقدم المفضول على الفاضل.

ما الذي يجعل بعض الأمور فاضلة على غيرها؟

الأولويات قد يحكمها الزمن فتكون حالّة في الحاضر تريد منك أن تستجيب في أوانها دون تأجيل – وهذا هو النوع الأول – والثانية هي التي تطأ أرض المسلّمات فتحتّم عليك أن تعيرها كل اهتمامك حتى تخرجها من حدود أراضيك وتأمن آثارها حين تنصرف عنها، والثالثة هي أولويات محكومة بقيمة تتمثّلها عنوةً طمعا في تحصيل خير أو دفع ضرر. كما أن هناك أولويات طفيلية تفرضها المؤثرات الخارجية حتى تصرفك عن أولوياتك الحقيقية، ولأنها طفيلية فإنها لا تستأذنك ولا تطرق بابك، بل هي مثل حشائش الأرض تتغافلك لتملأ أرضك بأمور زائفة لا ناقة لك فيها ولا جمل، قد تكون على شكل إشعار في شاشة الجوال يصرفك عن شئونك، أو مقتنيات اشتريتها على حين غَلَبةٍ للهوى ونتيجة لضعف الإرادة أو غير ذلك، من أجل ذلك كان التعاهد والمحاسبة من أركان الاستقامة على الطريق القويم.

حتى العبادات تتفاضل فيما بينها تبعا لمواضعها، فالصلاة كتابٌ موقوتٌ، لكن مواضع الخوف حين تدق أجراس الحرب تجعل الجهاد مقدماٌ على إتمام الصلاة، وكذلك فضيلة الوقوف بعرفة للحاج مقدمة على الصيام الذي يضعف العابد عن الاجتهاد في الذكر والدعاء.

وهناك أولويات صامتة لا تزعجك نداءاتها ولا تؤنبك حال تركها، وإنما تتركك حبيس التجاهل حتى تدق الساعة فتصرخ في وجه حياتك وتصب عليك غضبها المتراكم. فكما أن هناك أولويات ظاهرة ناطقة تبتز غرائزك مثل الجوع والمال وبصمة التحضير في العمل، فإن هناك أولويات صامتة قد تتخولك بالموعظة بين حين وآخر، لكنها لا تشتكي من هجرك لها في بادئ الأمر، ثم سرعان ما تأتيك مباغتة وتوجعك بسلسلة من الانتقامات في وقت فوات الأوان وحيث يكون ثمن التصحيح غاليا. وأولى هذه الأولويات الصامتة هي آخرتك!

اترك رداً