مرض القلق: ليس بعين حاسد ولا بكيد ساحر، إنه مرضٌ نفسي

لم أشعر بالعجز والاستسلام للموت كما شعرت حينها، كنت أنتظر أعصابي أن تتمزق، كنت أفقد الإحساس بأطرافي، وكنت كأنما اختُصِرتُ في الجزء الواعي من عقلي، وأن هناك من استلم دفة القيادة وأخذ يعاقب الأعضاء بإملاء أوامر مستعصية، كنت أراني من بعيد وقد تشنج وجهي تماما على ملامح المرتعب، فعيناي جاحظتان، وفمي مشدوه بشدة، كنت كأنما رأيت غولاً أو تنينا. كان قلبي يخفق بقوة صارخة، كأنما يريد إيصال الدم إلى أبعد ما يمكن، إلى أظفار فيل أو أصابع ديناصور، وكان مع كل خفقة يخفقها يصنع فجوة من الفضاء المفرغ من الهواء بداخلي، هذا الفراغ ينتج ضغطا هائلاً إلى الداخل، يشدّ معه كل عصب متصل بالحبل الشوكي ويخزّ جسمي كله في لحظة النبض، ربما كان قلبي يحارب الموت بعجز، أو يحاول الدفاع عن نفسه وعن الأعضاء التي سيطر المجهول عليها. لم أكن أعرف كيف سينتهي الأمر، هل سينفجر جسدي وأرتاح من هذا الألم؟ هل سيهدا؟ لم تكن توجد أية بادرة واحدة على أن الأمر سينتهي بهدوء، بل كان الأمر يزداد سوءا. كنت أخشى أن أتوقف عن التنفس في أية لحظة، لذلك كنت أعصر الرئتين عصرا حتى أتنفس بأعمق ما أستطيع، كنت أترقب النبضة التالية للقلب وأخشى توابعها المؤلمة. التنميل الذي غزا أعضائي قد اختفى، لكن الإحساس بها قد اختفى أيضا، بقي إحساس واحد فقط وهو إحساس الألم الذي يشعر به اللص عندما يسيطر عليه رجال الشرطة ويشلون حركته تماما. فهو لا يستطع الحركة لكنه يشعر بالشد الذي ينتج من شلّ حركته.

هل ترى – أيها القارئ – أن ما ذكرته ضرب من الخيال؟ أو نسيج من التشبيهات الأدبية؟ أو حتى وصف مبالغ فيه لنوبة تشنج أو نقص في مستوى السكّر في الدم؟

هذا ليس وصفاً أدبياً يا سادة، إنه وصف دقيقٌ جدا للحالة التي انتابتني حينذاك. كنت أنا أيضاً أخجل في البداية من إطلاق هذه الأوصاف. فلم أحب أن أكون يوماً نكدا أو شكّاءً بهذا الشكل. لكن الحقيقة أن كل هذه الأوصاف صحيحة تماما! تماما!

وحتى إن كانت صحيحة فلماذا أكتبها هنا؟ أنا لا أكتب هنا لأستعطف أحدا، إنما لأصف لكم كيف يشعر المصاب بهذه النوبات، وكيف أن المصابين بهذه النوبات يفشل الأطباء في تشخيص حالتهم فتزداد سوءاً، قد تكون أنت أو من تعرف من حولك قد أصبت بهذه النوبات من قبل. إلى مرضى القلق ونوبات الهلع أهدي هذه التدوينة.

في ربيع عام 2009 كنت أمر أحياناً بحالات غريبة من القلق غير المبرر، برغم أني كنت شعلة من الحيوية، وكنت أحسد على حالتي الصحية والمزاجية والحماس الدائم. كنت أيضاً أدرس في السنة الثانية في الجامعة وأغمس نفسي في كثير من الأنشطة التطوعية والثقافية. كانت هذه الحالة القلقة التي تمر بي ترغمني على التركيز في داخلي وفي عمليات الجسم الإرادية وغير الإرادية، كنت أشعر بنبضات قلبي في كل أعضائي، وكانت يداي ترتجفان مع النبض، كانت أعضائي تثقل في الحركة أحياناً لكن من غير مسبب محسوس. كنت أشعر بأني أتنفس عندما أريد أن أتنفس فقط، وإذا لم أتنفس بوعي فسوف أنسى أن أتنفس القدر الكافي من الأوكسجين، وحتى عندما أقرر أن أتنفس فإني لا أستطيع الوصول إلى ذلك العمق المريح مع الشهيق. لذلك قرأت عن الاسترخاء والتنفس العميق وأخذت أطبق ما أقرأ، إلا أن ذلك لم يجدي نفعاً. بل صرت أشعر بتنميل في أطرافي وعلى طرف أنفي. كان التنميل يتفاوت في شدته وانتشاره، فمرة يغزو الأنف كاملاً ومرة يكتفي بأطراف الأصابع. كنت لا أنام القدر الكافي حينها فكانت عضلاتي ترتعش في أماكن متفرقة من الجسم، فمرة ترتعش عضلات الرمش، ومرة عضلات الشفاه، ومرة في الفخذ. اجتمعت كل هذه الأعراض فازداد خوفي من أن أكون أصبت بمرض ما. لا أخفيكم أني رجل (وسيع الصدر) بمعنى أني أتجاهل المشاكل وأهرب منها ولا أترك لها فرصة لتعترض حياتي. إلا أن هذه المشكلة تحديدا أصبحت تكدر يومي وتوهمني بخطر قادم لا أعرف ما هو.

ازداد الصدر ضيقاً مع هذه الأعراض الغريبة، ازداد خفقان القلب، وازداد التنميل، وضيق الصدر والتنفس، وانصبّ تركيزي على جسدي واستجاباته لهذه الأعراض، أصبحت أقاوم ضيق التنفس بالنفس العميق المتكرر، وأقاوم التنميل بشد وإرخاء اليدين وعضلات الوجه، كنت أشعر بأني قد أفقد السيطرة عليها أو الإحساس بها في أي لحظة.

وذات يوم، كنت أقود سيارتي وحيداً برفقة هذه الأعراض. وفجأة، ازدادت حدتها بشكل غريب، حتى اضطررت إلى النزول من السيارة والمشي سريعا وقبض وبسط أطرافي بما يشبه الرقص، لم أكن أعبأ بنظرات الناس بقدر ما أريد أن أهرب من الموت، كنت أخبط الأرض بقدمي بقوة محاولا الخلاص من هذه القوة التي أخذت تسيطر علي وتشلّني، حاولت جاهدا أن أخرج هاتفي لأتصل بأقرب رقم وأطلب منه أن يسعفني، كان الوصول إلى كل زر أريد الضغط عليه بصعوبة إدخال خيط في ثقب إبرة. اتصلت بوالدي ولم أزد على أن أقول: “قلبي، قلبي، تعال، أنا على طريق الملك عبد الله أمام محل كذا” تعمدت الاختصار حتى يصل إلي بأسرع وقت، لم أشعر بأي خلل في مستوى تفكيري على الإطلاق، بل كان عقلي يعمل بشكل طبيعي، إلا أنه بفقد السيطرة على الجسم الذي بدأ يتمرد على الأوامر. وصل والدي وأخذني إلى مستوصف قريب فأدخلوني عيادة الطوارئ وأخذوا يغرسون الحقن واحدة تلو الأخرى، كنت حينها قد وصلت إلى ذروة النوبة التي وصفتها في أول التدوينة. كل ما أريده هو أن ينتهي الألم، كنت أستغرب من وعيي التام بكل ما حولي برغم شلل الأعضاء شبه التام! بل كنت أتذكر ملامحي جيداً برغم أني لم أنظر إلى نفسي في المرآة! ولأني واعٍ تماما فقد صليت العصر وأنا على حالي خوفاً من أن أموت قبل أن أصلي، ثم أخذت أرقي نفسي بآية الكرسي والمعوذات، ربما لا أستطيع إطباق شفتي أو تحريك لساني الثقيل، لكني كنت على الأقل أرسل إليهما الأوامر العصبية.

بعد ساعة أو تزيد انتهى الألم وعاد الإحساس من جديد، كنت وقتها في قمة الإنهاك النفسي والجسدي والعصبي. تحركت إلى السيارة وأنا أترنح وأمشي محنيّ الظهر والركبتين حتى ركبت السيارة وعدت إلى البيت ونمت نومة طويلة. صحوت في الليل فكان كل شيء على ما يرام، أكملت نومي حتى الفجر، ثم ذهبت إلى مقهى قريب لأذاكر مادة الفيزياء، عاد التنميل والخفقان فخفت أن تفاجئني النوبة مرة أخرى وعلمت أن الأمر لم ينتهِ بعد. عدت مسرعا إلى البيت والأعراض تتزايد، ثم طلبت من أخي أن يسرع بي إلى المستشفى. ركبت معه إلى مستشفى التأمينات هذه المرة، لكن الأعراض بدأت تنشر الشلل في أعضائي مرة أخرى فأخذت أقاوم ذلك بالتنفس العميق وتحريك الأطراف، شعرت أن السيارة ضيقة إلى حد الاختناق، لم أعد أحتمل البقاء في السيارة فطلبت من أخي أن يقف، وكنا على الطريق الدائري، فأجبرته إجبارا أن يقف على مسار الطوارئ فنزلت وكررت حصة الرقص التي أديتها بالأمس، لم يجد الأمر نفعا ففضلت أن أتحمل ضيق السيارة حتى نصل إلى المستشفى. وصلنا وتكررت القصة وأغمضت عيني طويلاً حتى أفقت على وجه والدتي وقد أزرى بها الهمّ. انتهت النوبة وبقيت تحت الملاحظة وأجريت لي بعض التحاليل حتى يطمئنوا من صحتي، ثم أطلقوا سراحي بعد أن وصفوا لي بعض الأدوية، (ومقوي جنسي)!

عدت إلى البيت وأنا لا أعرف ماذا حدث، ولا أعرف ماذا أفعل. وأصبحت أخاف أن أمارس حياتي اليومية حتى أعرف ما الذي حدث، وكيف يمكنني تلافي هذه النوبة مستقبلا. لماذا أشعر بالقلق؟ لماذا ترتعش يداي طوال الوقت؟ لماذا تنمل أطرافي؟ ما سر هذا الخفقان الغريب في القلب؟ لماذا أشعر باضطرابات القولون بهذه الشدة؟

أمي شخصت هذه الحالة بأنها عين حاسد، وأبي – أو غيره – شبهه بالصرع أو التشنج نتج عن الضغوط النفسية التي أمارسها على نفسي، فقد كنت كتوماً لعواطفي ومنخرطا في كثير من الأنشطة التي تشكل ضغطا عليّ، وذكر لي أني أصبت بزيادة مفرطة في النشاط الكهربائي للدماغ في طفولتي وقد تكون قد نشطت مرة أخرى، أما الأطباء فقد حاروا معي، بعد التحاليل كانت وظائف الكبد والكلى في أفضل أحوالها، وكانت نسبة الهيموقلوبين في الدم عالية، وتخطيط القلب كان سليما، ورسم المخ الكهربائي كان سليما أيضاً، وحتى التصوير المغناطيسي للدماغ لم يظهر أي مشاكل أو إصابات محتملة. يا ترى ما الذي يحدث؟

الحمد لله أن النوبة لم تتكر بعد ذلك أبداً، إلا أن الأعراض التي تسبقها تتكرر كثيراً وتكدر صفو يومي، وتخيفني من تكرار النوبة في مكان عام أو بين الأصدقاء فأتسبب لهم بالمتاعب.

بالمناسبة، بعد الحادثة شاع بين الأصدقاء أن سيارتي انقلبت! لأنهم علموا باتصالي بوالدي وأخذوا كلمة (قلبي) بجدية مفرطة!

قرأت وبحثت في الإنترنت حول هذه الأعراض، كانت شبيهة بمرض التصلب العصبي المتعدد، وشبيهة بأمراض عصبية أخرى، إلا أن الفحوصات لا تظهر شيئاً من ذلك.

وبعد سنوات وقعت صدفة على مقال يصف حالة تشبه حالتي، فأخذت أقرأ أكثر وأكثر حتى وصلت إلى طرف الخيط، استمعت بعدها إلى الدكتور إبراهيم الخضير وقد أفرد لها فصلاً كاملا في مساق (المدخل إلى الطب النفسي) على منصة رواق للتعليم المفتوح. لقد عرفت مشكلتي أخيراً! تمنيت وقتها لو استطعت تقبيل رأس الدكتور.

ثم قرأت مؤخرا كتاب “مرض القلق” للدكتور ديفيد شيهان، وهو من الخبراء في دراسة مرض القلق وعلاجه، وعمل مديرا لأبحاث القلق بقسم الطب النفسي بمستشفى ماساتشوسيتس العام. وقد شرح ماهو أبعد من ذلك وأعمق، هذا الكتاب هو الكنز الذي كنت أبحث عنه! إنه يصف مشكلتي ومشكلة المصابين بمرض القلق Anxiety Disease والذي يترافق مع نوبات الهلع (وتسمى نوبات الذعار Panic Attack).

رويت لك قصتي أعلاه لأن لكل مصاب بهذا المرض قصة شبيهة تجعله يرى نفسه في قصتي، نشترك سويا في مرض غامض لا يفهمه العلماء بشكل كامل، وتشخيصه صعب جدا، كما أن رهابنا المجتمعي من الطب النفسي يزيد الأمر تعقيدا. لذلك سألخص لك في السطور القادمة أهم ما يجب أن تعرفه عن المرض، وإن كنت مصابا بهذا المرض فعلاً فإني أحيلك إلى الكتاب لتقرأه ثم تتوجه إلى الطبيب النفسي إن احتجت إلى ذلك.

القلق السوي والقلق المرضي

عندما يواجه الإنسان أمر يتهدد أمنه أو صحته فإنه يشعر بخطر أو ضغط نفسي يقلقه ويجعله مضطرباً، فعندما يسمع خبراً سيئاً أو ينجو من حادث فإنه يشهق ويرتجف ويهلع نتيجة للضغط النفسي الخارجي الذي تعرض له كردة فعل لهذه الحادثة التي تهددته. وعندما يقترب موعد الاختبارات النهائية فإن بعض الطلاب يفقدون السيطرة على أعصابهم وتزيد حساسيتهم للضغوطات الخارجية الأخرى. وقد يصابون بأرق أو رعشة أو خفقان أو دوخة. كل هذا هو استجابة سويّة للضغط من خارج الفرد (خارجي المنشأ، ويسمى أيضاً بالقلق المستثار).

القلق المرضي هو أمر مختلف تماماً! إنه قلق ينشأ من داخل الإنسان (داخلي المنشأ)، ولا يوجد لهذا القلق سبب ظاهر أو مبرر خارجي مباشر. بل هو مرض ينشأ من الاستعداد الوراثي فيما يبدو.

يصيب هذا المرض نحو 5% من السكان، و 1% تقريباً هم الذين يوصلهم هذ االمرض إلى درجة العجز (كما حدث معي). كما أن 80% من المصابين هم من النساء. أما عن التوزيع العمري للمصابين فهو كالتالي:

 

مراحل المرض السبعة

المرحلة الأولى: النوبات Spells

تبدأ أعراض المرض على شكل نوبات متقطعة لا سبب واضح لها، فقد تكون في نزهة مع الأهل أو الأصدقاء ثم تعترضك هذه النوبة وتعيقك عن عيش هذه اللحظات السعيدة، تترافق مع هذه النوبة عدة أعراض، لا يشترط وجودها جميعها، لكن إذا ترافقت هذه الأعراض بنسبة معينة دل ذلك على وجود المرض. وهذه أهم الأعراض:

  • خفة الدماغ أو الدوخة، وتكون أقرب إلى شعور الخواء منها إلى فقدان الوعي
  • فقدان التوازن والأرجل الرخوة الهلامية، فيشعر المريض بليونة في أرجله ويفضل عدم الوقوف
  • صعوبة التنفس، ويحاول المريض محاربة ذلك بإفراطه في التنفس، فيختل مستوى الكالسيوم وثاني أكسيد الكربون في الدم وتبدأ أعراض الخدر والتشنجات.
  • خفقان القلب، وقد ينشأ خوف من أمراض القلب كردة فعل فتتفاقم المشكلة
  • آلام وضغط الصدر، وتصيب 60%% من المرضى، لكنها لا تقارن بالذبحة الصدرية التي تصيب مرضى القلب
  • غصة الحلق، ويشتكي منها 72% من المرضى، وقد تتسبب في فقدان الشهية
  • التنميل والخدر، وتصيب ثلثي مرضى القلق
  • الإحساس بالسخونة أو البرودة في الأطراف، وتصيب 72% من المرضى
  • الغثيان، وقد يصحبه شعور بصعود وهبوط في المعدة، كما يحدث حين تقود السيارة على ارتفاع مفاجي
  • الإسهال، وبرغم أن أغلبية المرضى لا يشتكون منه إلا أنه يسبب حرجا بالغاً بسبب مباغتته للمريض في الأماكن العامة
  • الصداع، ويصيب 86%
  • الأفكار التسلطية والقهرية، وهي نزعات أو كلمات أو أفكار غير مرغوب فيها تلح على الإنسان وتتخذ شكلا مستهجنا أو عدوانيا، كأن يهمّ بأن يصرخ وهو يصلي مع الجماعة أو يطعن نفسه بالسكين أثناء تقطيع الخضروات.
  • استغراب الواقع وتفكك الشخصية، وهو شعور يصعب وصفه، وصفه أحد المرضى هكذا:

أحس بأني في عالم آخر، وكأني أعرف أنني موجود هنا، ولكني في الحقيقة غير موجود، أحس كأني بعيد عن الموقف الذي أنا فيه، وكأني أشعر بوجودي في بعد آخر، كالخواء أو الفراغ، خارج الموقف الذي أنا فيه، وكأني أراقب الأمر كله من بعيد

المرحلة الثانية: الهلع Panic

وهو بالضبط ما وصفته لكم في أول التدوينة، قد تتغير بعض الأعراض، إلا أن الشعور الغائر والساحق بالهلع غير المبرر هو العامل المشترك. أحد المرضى يصف هذا الشعور قائلا:

“تصور أنك تمشي على حبل بين ناطحتي سحاب، وعندما انتصفت المسافة هبت رياح عاصفة وبدأت رجليك تنفلتان، ثم نظرت إلى الأسفل فرأيت المسافة البعيدة بينك وبين الأبنية والشوارع، حاول أن تستجمع مشاعرك في بدنك وعقلك في هذا الموقف، نوبة الهلع مثلها تماما، بل أشد! لأنك هناك تعرف السبب، أما نوبة الهلع فلا يوجد لها أي سبب ظاهر يفسر حدوثها!”

المرحلة الثالثة: توهم المرض Hypochondriasis

حيث يتوقع المريض أن لديه مرض خطير سيكتشفه الطبيب في أية لحظة، ويهيء نفسه لذلك. بل سيخيب أمله إذا اكتشف أن الفحوصات التي أجراها سليمة، فيحاول إقناع الطبيب بأنه كان على وشك الموت خلال اشتداد النوبات عليه، فيننصحه الطبيب بالابتعاد عن الضغوطات وممارسة الرياضة وماشابه ذلك، فتزيد مخاوف المريض لأن مرضه لم يشخص بالشكل المطلوب. ولأن طبيبه لا يبدو أنه يأخذ الموضوع بجدية. وربما عرض نفسه على طبيب ثانٍ وثالث.

المرحلة الرابعة: المخاوف المرضية المحدودة Limited Phobias

عندما يصاب المريض بعدة نوبات في مواضع متفرقة، فقد تنشأ عنده ردة فعل نفسية تولد معها مخاوف أخرى تصيبه بالقلق، فتكون هذه المخاوف مصدرا للقلق، فينشأ قلق خارجي المنشأ، فيظن المريض أنه هو نفسه القلق الداخلي المنشأ، ثم يستمر الأمر بالتفاقم.

فلو أصيب المريض بنوبة وهو داخل مصعد مزدحم مثلاً، فقد تنشأ ردة فعل نفسية بعد ذلك، فيصاب باختناق وضيق إذا ركب مصعداً مزدحما، فتنشأ عنده المخاوف من أن تداهمه النوبة مرة أخرى، فتتضخم هذه المخاوف حتى تظهر على هيئة قلق خارجي المنشأ. والمصيبة تزداد إذا تحالف القلق الخارجي مع القلق الداخلي، فتجد المريض يحاول حل مشكلة القلق الخارجي عن طريق التجاهل، ثم يصاب بنوبة قلق داخلي فيفشل في التفريق بينهما، فينتهي المريض إلى عالم جديد من العجز المتزايد.

المرحلة الخامسة: المراحل المرضية الاجتماعية Social Phobias

مع تكرار هذه النوبات يزداد الضغط الاجتماعي على الفرد فتنشأ نتيجة لهذا الضغط مخاوف اجتماعية، فقد ينفصل الشريك عن شريكه، وقد يفضل الفرد أن يعيش العزلة على أن يقع في مزيد من الحرج الاجتماعي، خاصة وأن تكرار هذه النوبات بين الناس يجعله تحت الملاحظة والاهتمام، مما يضعه في حالة ترقب دائم للنوبة أو يشعره بالنقص أو التقييد.

المرحلة السادسة: العزلة الاجتماعية التامة Extensive Phobic Avoidance

وهو تطور طبيعي للمرحلة الخامسة، فيتجنب المريض الأماكن العامة والمزدحمة والأسواق، ويتجنب السفر أو قيادة السيارة إلى مكان بعيد عن المنزل.

المرحلة السابعة: الاكتئاب Depression

وفي هذه المرحلة يزيد الشعور بالذنب وضياع الرجاء، ويشعر المريض بأنه لا حول له ولا قوة، وأنه عديم القيمة، وتشيع السلبية في كل أموره، خاصة عندما يفقد أهميته كأب أو كزوج. وقد يخف هذا الشعور أحيانا ويقوى أحياناً أخرى.

وتوجد مضاعفات أخرى متفرقة مثل القلق الجنسي، وفقدان الشهية أو الشهية المفرطة، أو إدمان الخمور والعقاقير، وغيرها. وقد يصيب المرض الأطفال أيضاً.

أسباب المرض

توجد ثلاث قوى تتحالف للتسبب بهذا المرض:

القوة الأولى: القوة البيولوجية

توجد عدة تفسيرات أو احتمالات للمسبب البيولوجي للمرض، وأقربها هو وجود خلل في النشاط الكهربي لنهايات الأعصاب والمستقبلات العصبية. وتوجد علاقة بين وجود هذا المرض وأمراض أخرى، كما أن للاستعداد الوراثي دور كبير في نشوء هذا المرض.

القوة الثانية: التعلم الشرطي

فبعد أن تحدث النوبات بسبب القوة الأولى يقوم المريض بالربط الشرطي بين المرض وبين عوامل أخرى لا علاقة لها بالمرض، فيتسبب ذلك في القلق الاستباقي، فتنشأ أعراض القلق، وهكذا.

القوة الثالثة: الضغط

ويمكن للضغوط أن تزيد من حدة أي مرض بما في ذلك مرض القلق. وقد تحفزه أحيانا للظهور من جديد بعد تلقي العلاج بفترة طويلة.

ويتضح هنا أن القوة الأولى هي القوة الرئيسية.

 

العلاج

أولا يتم علاج أساس المرض (القوة الأولى) أي بعلاج السبب البيولوجي، فيعرض المريض نفسه على طبيب مختص يجيد وصف الأدوية ويعرف مضاعفاتها ويتدرج في العلاج بما يتناسب مع كل مريض على حده.

ولأن المرض تنشأ معه مخاوف مرضية (فوبيا) ومضاعفات أخرى فهي الأخرى يتوجب علاجها بالأدوية والعلاج السلوكي المعرفي، وللتعامل مع الضغوط المختلفة يحتاج المريض إلى جلسات العلاج النفسي. وهنا اقتصرت فقط على ذكر فكرة العلاج بشكل عام لأن مجرد تشخيص المرض يزيل الغموض القاتل عند المريض، أما العلاج فمكانه معروف وهو الطبيب المختص.

أين أنا من بين مراحل المرض؟

أريد أن أطمئنكم بأني ولله الحمد لم أتأثر أبداً بهذا المرض، ولم تصبني نوبة الهلع إلا مرتين في يومين متتاليين قبل حوالي تسع سنوات. وأظن أن معظم أصدقائي لن يصدقوا أني أكتب هنا عن مرضي أنا، وحتى عائلتي لا يعلمون عن إصابتي بمرض القلق ولا يلاحظون أي تغيير، بل يظنون أني أصبت بنوبة صرع في أيام الجامعة وانتهى الأمر! أنا أكتب هنا فقط لأني لا أريد لهذا المرض أن يقف عثرة في طريق أي إنسان، أتمنى أن يقع على هذه التدوينة في يوم ما مريض بالقلق، فيفهم نفسه، ويثق بالطب النفسي، ويتوجه إلى العلاج. بدلاً من أن تتضخم كرة ثلج (الفوبيا) لديه.

بعد اكتشافي لهذا المرض علمت بأن ما أصابني هو أقصى درجات سيطرة المرض، علمت أيضاً أن إفراطي في التنفس لساعات طويلة وشدة تركيزي على داخلي وعلى التنفس والنبض والحركات اللا إرادية كانت هي السبب الرئيسي في الخفقان والتنميل والتشنجات. لذلك أصبحت أراقب نفسي متى ما انتابتني نوبة القلق، وأتساهل بها وأتقبلها كما هي حتى تمر بسلام، ولم أعد أستجيب لها بمزيد من المخاوف ولا إفراط في التنفس والحركة ولا أوسوس وأتفرج على يدي وهي ترتعش مع نبضات القلب. فكان الأمر طبيعيا جدا ولله الحمد، وأصبحت أتعاطى معها كما أتعاطى مع العطاس واضطرابات القولون، بل كانت أهون من ذلك بكثير، لا شيء يدعو للقلق، بدأت أشك أني مصاب بالمرض أساساً. إني أعيش نعمة من نعم الله عليّ. لأن هذا المرض يتسبب عادة في نوبتين أوثلاث في الأسبوع لمعظم مرضى القلق، بينما لم تصبني إلا مرتين طوال عمري. لم يتسبب المرض في إعاقتي عن أي أمر من أمور حياتي أبدا (فيما عدا هذين اليومين) ولم أحتج إلى استعمال الأدوية. وبكرم من الله، فلا أذكر أني تركت أذكار الصباح والمساء منذ تلك الليلة. فجزى الله نوبة الهلع خيرا!

ملحوظة مهمة: قد أكون ارتكبت خطأً منهجيا عندما شخصت نفسي بالمرض دون مراجعةالطبيب النفسي، لكني لا أحتاج إلى مراجعته ولا يهمني ما إذا كنت مصابا بالمرض أم لا، أريد هنا المساهمة في التعريف بهذا المرض، فإن كنت تعاني من هذه الأعراض فأرجوك أن تراجع الطبيب. يمكنك الاستعانة بالاستبانة التشخيصية في آخر الكتاب لتتأكد من احتمالية إصابتك بالمرض.

  • المرجع العلمي لمحتوى التدوينة هو كتاب مرض القلق لديفيد شيهان | رابط تحميل الكتاب
  • محمد النملة كتب تدوينة عن معاناته مع مرض التشتت وفرط الانتباه: أشباح المرض النفسي
  • الصورة لا علاقة لها بالمرض، بل هي تجريد التقطته في المكان الذي كنت أكتب فيه هذه التدوينة!

9 thoughts on “مرض القلق: ليس بعين حاسد ولا بكيد ساحر، إنه مرضٌ نفسي

  • سبتمبر 22, 2017 at 5:02 م
    Permalink

    ارسلك الله لي.. شكراً شكراً.. ارتحت كثيراً بعد قراءة التدوينة

    Reply
    • سبتمبر 24, 2017 at 7:10 ص
      Permalink

      الحمد لله، أتمنى لك دوام الصحة

      Reply
  • سبتمبر 22, 2017 at 5:03 م
    Permalink

    يااالله، كيف وقعت يدي على تدوينتك في هذا الوقت بالذات
    انتابتني نوبة هلع لأول مرة وأنا في الحج قبل ثلاثة اسابيع، وكنت حتى اللحظة مستغربة جداً من حدوثها بعد إتمامي لأهم المناسك وليس قبل ! فكيف اخبر اهلي والاطباء انه هلع وقلق ولم يكن هناك مسبب فعلي، والحمدلله اتضح لي الموضوع.

    ممتنة لك محمد جدداً

    Reply
    • سبتمبر 24, 2017 at 7:12 ص
      Permalink

      سعيد جدا لاكتشافك لها في مرحلة مبكرة، أنصحك بمراجعة الطبيب للاطمئنان على الصحة ونفي الاحتمالات الأخرى.
      وأتمنى لك دوام الصحة

      Reply
  • سبتمبر 24, 2017 at 7:41 م
    Permalink

    أهلاً محمد، أشكر لك وقتك وجهدك، ورابط الكتاب أيضاً..
    أنا أعتقد أني مصابة بشبءً مشابه، لكنه يأتي حين أنام.. أستيقظ فزعة أبحث عن شيءً ما “أبحث فعلياً في الدواليب والدروج وأحياناً أخرج من غرفتي وأبحث في مكان آخر”. كانت هذه النوبات تأتيني في حالة القلق الشديد، ولكن الان بتقدم العمر أصبحت تأتيني أسبوعياً مرة أو مرتين يومياً.. تتفاوت الحقيقة. لاحظت تطوراً أني استيقظ على نفسي وأنا أصرخ بصوت مكتوم أو أشهق من الخوف. قد تتساءل ماذا فعلتي؟ الاجابة: لاشيء. كانت لي تجربة للذهاب للطبيب النفسي وكرهتها بسبب نظرة أهلي للموضوع حينها. كان قد تمّ تشخيصي باكتئاب مزمن وجلسات سلوكية لتغيير تصرفات شخصيتي القلقة الوسواسية. كنت أيضاً أنتف شعري بشكلٍ مرضي “هذا السبب هن الذي دعاني للذهاب الطبيب”، صرف لي الطبيب سيروكسات وأخذته لمدة شهر ولم أعد للطبيب مرة أخرى. كان ذلك وأنا في أول مراحل الجامعة، الان أملك أمر نفسي ولا أرغب بزيارة طبيب نفسي، رغم أن أي من مشاكلي السابقة لم تحل.
    شكراً لك مرة أخرى، أتمنى أن يستفيد الأشخاص الذين يعانون من هذه النوبات، وأن تكون خير معينٍ لهم.

    Reply
    • سبتمبر 25, 2017 at 2:19 م
      Permalink

      أهلا منى، وشكرا لتشجيعك
      امتعاض الناس من زيارة الطبيب النفسي هو من أهم أسباب نشري لهذه التدوينة، فأنا هنا أذكرك بأن تتعاطي مع الحالة بجدية أكثر، أرجو أن لا يكون المانع من تكرار زيارة الطبيب هو نظرة الناس، فهي ليست أهم من صحتك النفسية وحياتك الهانئة. وقد ييسر الله لك طبيباً أجدر في المرات القادمة. وسيعرف الناس أهمية هذه الزيارات بعد أن يروا أثرها عليك.
      وبالمناسبة، فالكتاب فيما أذكر لم يتطرق لأي علاقة بين النوم وهذه النوبات
      أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك

      Reply
  • سبتمبر 30, 2017 at 1:04 م
    Permalink

    العلم بالعدم شيء وعدم العلم شيء آخر . فجزمك بأنه ليس بعين فيه نظر إذ يحتاج إثبات وآن قلت بأن الطب النفسي أو علم النفس يعالج القلق وبالتالي هو مرض نفسي بحت فاعلم بأن الطب النفسي وعلم النفس لازال عاجزا عن سبب القلق وسب الأمراض النفسية وكل ماهنالك نظريات فقط ولتعلم بأن الأدوية هي مضادة لآثار الاكتئاب والقلق والفصام وليست مضادة للمرض نفسه ومع ذلك كل ماذكرته لايمنع من الاستفادة من الطب النفسي وهو يخفف كثيرا من هذه الأعراض.

    Reply
    • أكتوبر 3, 2017 at 6:11 م
      Permalink

      أهلا عبد العزيز، تمنيت أن تسهب أكثر إن كان الموضوع في تخصصك. لا أزعم أن العين تنتفي بذلك لكن حتى لو أيقنت بأن العين سبب للمرض فلا يعني ذلك أن أترك العلاج، والرقية مشروعة في كلا الحالتين عيناً كانت أم مرضاً. شكرا لك

      Reply
  • أكتوبر 19, 2017 at 4:40 ص
    Permalink

    اشكرك جداً لطرح تجربتك
    من حماسي مع الموضوع كنت قبل لا تكتب وصف للحالة اغطي الكلام واوصفها لنفسي بعدين ارجع اقرا كتابتك يا لطيف كيف كأنك تتكلم عني!!!!
    جتني النوبة اول مره في ٢٠١١ ولماكنت اعرف عنها شي وذهبت للمستشفى اعطاني أدوية فلو واحتقان عشان الرجفة والبرد وصعوبة البلع اللي حسيت فيه!
    و من وقتها وهي تخف فترات وترجع فترات بانواع واشكال واعراض مختلفة كل ما حسيت اني سيطرت على الموضوع تجي بشكل جديد وكل مره اصدق انها النهاية
    مقتنعة جداً بالطبيب النفسي لكن ما ادري ليه ما تجرأت للآن!! وانا بالضبط زيك شخصت حالتي بنفسي ومن كلام بعض المقربين اللي مروا بالتجربة الله يبعدها عنا وعن كل من يعاني 💔
    والحمدلله على كل شئ

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.