لا تؤمل كثيرا على الابتعاث كفرصة لتطوير لغتك!

نعم .. الحقيقة أن الدراسة في بريطانيا (وقس عليها أمريكا وأستراليا) لا تعني بالضرورة أنك ستتحول من ابن آدم المتلعثم إلى البلبل المغرد بالانجليزية!
وقبل أن ترفع يدك لتضربني عش بعض الوقت مع سعد وعمار (اخترت هذين الاسمين لأن زيدا وعمروا مشغولان بتمثيل بعض نصوص اللغة العربية!)

عمار وسعد تخرجا من نفس الثانوية. حصل سعد على فرصة ابتعاث لدراسة البكالوريوس في أمريكا بينما درس عمار البكالوريوس في جامعة الملك سعود وتخرجا من جامعتيهما في نفس السنة ..
سعد قرر دراسة الماجستير وأقنع عمارا بفكرة الابتعاث لدراسة الماجستير هو الآخر

دخل سعد وعمار اختبار اللغة .. لكن النتائج كانت مبهرة .. فعمار أحرز الدرجة المطلوبة للقبول .. وفشل سعد! مهلا! ما الذي حدث لك يا سعد؟! عمار ليس أذكى منك .. فكلاكما تخرج بتفوق .. وأنت الأمريكي يا سعد لا يليق بك أن تقف عاجزا أمام اختبار لغة!

سعد لا يزال أفضل من بعض المبتعثين الذين فشلوا في تجاوز عقبة اللغة فلجؤوا إلى القبول بطرق بديلة! ولا يعود ذلك لنقص في قدراتهم على الإطلاق. بل لأمور أخرى ربما لم يتنبهوا لها

هنا (اضغط ستارت)
سأعود إلى سعد وعمار بعد أن أستطرد بهذه القصة التي رواها لي معلم لغة أمريكي هنا في بريطانيا. حيث يقول:

“التقيت بطالبة صينية كنت درستها قبل ثمانية أشهر. في الوقت الذي كنت أدرسها فيه كانت تتحدث بثقة وطلاقة وكانت جملها جيدة التكوين وغنية بالمفردات. لكن عندما قابلتها اليوم بعد ثمانية أشهر فقط كانت بالكاد تنطق جملة. فلم يعد لذلك اللسان الطلق أي وجود! بل كانت تتلعثم في كل جملة وتنطقها بلكنة صينية. صُدمت لذلك وسألتها: ما الذي حدث؟ هل غادرت بريطانيا لفترة طويلة؟ لغتك كانت أفضل بكثير!
فأجابت: لا، لم أغادر بريطانيا. لكني لم أعد محتاجة إلى اللغة بعد أن حصلت على قبول الجامعة!”

نعم يا جماعة! لم تعد تحتاج اللغة، فهي تحضر المحاضرة باللغة الانجليزية وتدون ملاحظاتها بلغتها. والأغلبية الساحقة من المحاضرات الجامعية كما نعلم لا تتطلب أكثر من التموضع على الكرسي والإيماء بالرأس عند الحاجة. فلا حاجة لأن تنطق كلمة واحدة. بعد المحاضرة تخرج وتذاكر مع أصحابها الصينيين من النسخة الصينية من كتاب المادة. ثم تخرج إلى المطعم والسوق وتتفاهم باستراتيجية (صديق كم هذا؟) وتستعمل الجوال لترجمة كل ما لا تفهم. وتطير الترجمة من عقلها بمجرد ضغطها لزر (home). وتسمر مع صديقاتها الصينيات في الليل لتغير جو الدراسة ببعض المرح. يمر عليها اليوم واليومان والثلاثة ولم تنطق بأكثر من thank you و hello.

لنعد إلى سعد وعمار، هل يمكنك الآن تفسير ما حدث لهما؟
ثمة مستويات متدنية من اللغة التفاعلية يمكننا أن نسميها (survival language) وهي التي تستخدم لقضاء الضروريات اليومية كالذهاب إلى التسوق والسؤال عن الاتجاهات والأسعار والأمور البسيطة. هذا المستوى نستعمله في بلادنا عندما نذهب إلى المقهى ونطلب القهوة. هذا المستوى لا يتطلب منك أي مجهود في تركيب الجملة وانتقاء المفردات. فسواء قلت (I would like to have a medium-sized cup of coffee, Please) أو قلت (coffee… Medium) فبكلتي الجملتين ستحصل على نفس حجم ومذاق القهوة تماما! ولا تنتظر عامل القهوة (مهما كانت درجة بريطانيته) أن يرد عليك بجملة من قبيل (syntax error) بل سيذهب ويجهز لك القهوة. وأنت نفسك لن تميز صواب جملتك من خطئها. فهاهي تؤدي الغرض. بالتالي لن تحرز أي تقدم في لغتك.

أمر آخر تجدر الإشارة إليه، وهو أن اللغة التي تمارسها في العمل لغة تقنية (technical language) تخلو من التعابير اليومية واللغة الوصفية والتراكيب الشائعة. (لكي تصدق ذلك جرب أن تقول لمديرك (I love you!)). وينطبق ذلك أيضا على اللغة الأكاديمية التي تستعملها في الجامعة. وهنا لك أن تفخر إن علمت أنك قد تتفوق على الناطقين الأصليين بالانجليزية! ترسخت لدي هذه القناعة بعد عدة مواقف. فقد يستعين بك الناطقون الأصليون في صياغة بعض الجمل وتهجئة بعض الكلمات الانجليزية المتخصصة! حدث ذلك معي فعلاً! وبالأمس صارحني (Jared) وهو كندي الجنسية أنه تمر عليه الجملة والجملتان أثناء المحاضرة لا يفهمها أو لا يسمعها جيدا فينظر إلى زملائه الأجانب ويتساءل متعجبا: “إن كنت أنا لم أفهم لغتي فكيف يفهمها هؤلاء؟!”

أمر آخر يعيق تطوير اللغة وهو أنك مهما تساويت مع البريطاني في القدرات فلن تجاريه في اللغة. وهذا لا يشجعه لبناء علاقة حقيقية معك إلا ما ندر. ولا يشجعك أنت للحديث الودي معه لنفس السبب. لو قسنا ذلك على اللغة العربية لربما كان العكس تماما، فنحن نرحب بمن يتعلم لغتنا ونصبر عليه. أما البريطانيون تحديدا فيزعجهم ذلك فيما يبدو لي.

عليك دائما أن تزن بين الطلاقة والسلامة من الأخطاء.. فإن لاحظت أن تركيزك على السلامة من الأخطاء يعيق من طلاقة حديثك فاسمح بالأخطاء. سيتنبه لها عقلك بعد أن تنطقها، مجرد تنبه العقل لهذه الأخطاء سيساعد في منع تكرارها في المستقبل. واطمئن وهدئ أعصابك لأن اللغة ليست مادة أكاديمية بمحتوى موثق ومدقق. بل هي اصطلاحات بشرية شديدة المرونة ـ إن صح التعبيرـ. فمن الطبيعي أن تتلعثم أو تخطئ في التعبير أو تعبر بأسلوب مختلف عما اعتاد عليه الناس. هذا يحدث في لغتك الأم أيضا. ولا يعني ذلك أن جملتك خاطئة.

ضعها على الطاولة

هل تشتكي من الفقر اللغوي في لغتك المنطوقة والمكتوبة بالرغم من غزارة المخزون اللغوي لديك؟ هل تفهم ما تسمع ولا تُفهِم من يسمعك؟

لقد عرفت سر هذه المشكلة أخيرا!
المخزون اللغوي لديك يعتبر ببساطة: (مخزونا). بمعنى أنه متوفر تحت الطلب. عندما ينادى باسمه يتم جلبه من المستودع وفي رقبته وصف له.
أما العبارات التي تستخدمها هي عبارات جاهزة ومرصوصة على طاولة العرض، ولا تحتاج إلى أي استحضار. بمجرد أن تقرر تركيب جملة معينة فأنت في الحقيقة تجمع المفردات من على الطاولة وتركب جملة مناسبة وتقدمها للطرف الآخر. هذا أيضا يحدث في لغتك الأم. ولاحظ أنك تمر بك الأيام وفي طاولتك مجموعة من الكلمات التي تعير استخدامها مرارا وتكرارا بالرغم من أنها لا تعبر بشكل كافٍ. وتتغير هذه الكلمات بعد أسبوعين أو ثلاثة. فتجدك تكرر قول (أتوقع أن) وبعد أسبوعين تضعها في الدرج وتضع (أعتقد أن) على الطاولة بدلا منها. وقس على ذلك.
مثال: هل تعرف معنى كلمة (مَعِين) باللغة العربية؟ متى آخر مرة نطقت بها؟ هل سبق وأن استخدمتها في حديثك أصلا؟ أنت تعرف معناها بمجرد سماعها لأن عقلك يبحث عن معناها قاصدا إياها تحديدا. أما عند تكوين جملة متعلقة فإن عقلك يبحث في الكلمات القريبة (الطاولة) عن أقرب كلمة تؤدي المعنى. حتى إن لم يجد فسيعيد صياغة الجملة التي يريد تكوينها باستعمال الكلمات المتاحة في الطاولة ولن يفكر في فتح الدرج لإخراج كلمة (مَعِين)!
….

على فكرة! كتبت عنوان المقال للفت انتباهك فقط! كان يجب أن أكتب “إن لم تمتلك الرغبة الجادة للتعلم، فلا تؤمل كثيرا على الابتعاث لتطوير لغتك”

3 thoughts on “لا تؤمل كثيرا على الابتعاث كفرصة لتطوير لغتك!

  • مايو 9, 2017 at 9:58 ص
    Permalink

    أسلوب لطيف .
    مقال لطيف .
    شخص لطيف.

    Reply
  • يونيو 17, 2017 at 9:31 م
    Permalink

    جميل طرحك واسلوبك شدني ، الموضوع جميل غير اعتيادي استمر مبدع👏🏻

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.