أرض الجليد والنار: 10 أيام في آيسلندا

لم أجد أنسب من آيسلندا لخوض مغامرة جديدة وأخيرة بعد انتهائي من دراسة الماجستير في المملكة المتحدة وقبل عودتي إلى الوطن والعمل والروتين. وكانت من أولوياتي في هذه الرحلة هي تجربة الالتزام بتدوين مشاهداتي هناك يوماً بعد آخر. وقد تم ذلك وهاهي يومياتي أمامكم:

اليوم الأول: أنا في أيسلندا!

 

1

الكثير من الوقت ضاع بسبب عدم التخطيط للجزء الأول من الرحلة فلم أفعل شيئا مميزا اليوم غير الاستكشاف الذي اعتده بطريقتي المفضلة وهي السير لساعات بلا وجهة حتى أضل الطريق ثم أخرج الخارطة وأعود مارّا بأهم المعالم التي تفصلني عن نقطة انطلاقي. لفت انتباهي مطارهم الدولي الوحيد وهو مطار كيفلافيك، هذا المطار متحف فني لوحده برغم صغر حجمه، كما أن الطراز المعماري الشمال أوروبي الذي يملأ العاصمة له بساطة آسرة بكل المقاييس الجمالية. العاصمة تبدو صغيرة جدا برغم كثرة السيارات واتساع الطرق. ولم ألحظ زحاما يدعو للقلق خلال ساعات الذروة كما نرى في معظم العواصم الأوروبية.

وجوه السياح القلقة التي تملأ شوارع لندن وباريس غير موجودة هنا. كل الوجوه هنا منبسطة ومسترخية. وكعادتي أنا الرجل اللطيف الذي يتمشى وحيدا ويلبي طلبات الـ(كبلز) بتصويرهم بجوار بعضهم أمام المعالم والمناظر الطبيعية ثم لا  أجد من يصوّرني.

بحيرة تيورنين Tjörnin في وسط العاصمة الآيسلندية

بحيرة تيورنين Tjörnin في وسط العاصمة الآيسلندية

للتو استلمت سيارة التأجير بعد أن أخذت دروساً في فن القيادة الآيسلندية من موظفة مكتب التأجير. آيسلندا مختلفة عن بقية العالم حتى في تأمين السيارات ومشاكل السير! في آيسلندا يوجد طريق رئيسي واحد (واسمه “1”) يطوق قلب الجزيرة الآيسلندية واصلا شرقها بغربها وشمالها بجنوبها. وتقاطعه طرق أخرى منها المعبّد وكثير منها وعر. السرعة القصوى في الطرق السريعة هي 90 كيلو متراً في الساعة فقط! من زاد عليها فليستعد لأضواء الكاميرات المثبتة على سيارات الشرطة المترددة على الطرق ذهابا وإيابا. المخاطر التي تهدد السيارات هنا تختلف عن ما يعهده البشر في بقية الكوكب، فقد نبهتني موظفة المكتب أن علي التعود على إحكام قبضتي على عروة الباب عند فتحه وإغلاقه، فالأبواب المفتوحة تعتبر لقمة سائغة للعواصف التي تقوم بخلعها فور انفتاحها! أمر آخر مهم وهو أن الطرق الوعرة تملأ الجزيرة وبعضها لا تُفتّح لعامة السيارات إلا أسبوعاً واحداً فقط في السنة! أما في بقية العام فلا يخوضها إلا سائقو سيارات الدفع الرباعي. أسماء هذه الطرق تحديدا تبدأ بحرف F ثم رقم الطريق. في هذا الموسم من العام كان الجو شديد التقلب بشكل تحار معه الأرصاد الجوية (بالمناسبة، أراهن أن موقع الأرصاد هو الصفحة الرئيسية لمعظم الآيسلنديين http://www.vedur.is/ ) وقد قال لي الآيسلنديون أنفسهم: “أفضل الطرق لمعرفة الأحوال الجوية هي أن تقوم بفتح النافذة!”.  أُبلِغنا بأن علينا الاتصال بالمراصد الجوبة قبل خوض أيٍّ من هذه الطرق. ويجب علينا الاتصال قبل خوضها مباشرة. فأجواء آيسلندا (لا تمزح)، وكذلك أراضيها، ففي كل عام يختفي العديد من السياح ولا يوجد لهم أي أثر! ناهيك عن الجثث التائهة واليائسة التي تعثر عليها فرق الإنقاذ بين حين وآخر!

إحباط:

كان الاستقبال باردا جدا ولم يتوقف المطر منذ أن وصلت إلا مساء اليوم. أغلب المناطق التي كنت أنوي زيارتها تم التحذير من وجود عواصف وأعاصير فيها وحولها. والجو يتغير بسرعة عجيبة جدا. لا تنخدع برؤية قرص الشمس. قد تغرق من المطر خلال ثوانٍ (والله يحلل بريطانيا) والمشكلة الحقيقية تكمن في الريح والعواصف.

استغراب:

مياههم لها طعم ورائحة (بيض مسلوق!).

ترقب:

يبدو أن غرابة الطبيعة الجيولوجية لآيسلندا تبدو على الطبيعة كما هي في الصور بل أجمل.


اليوم الثاني: الحلم – العاصفة

2

 

بين شلالات سكوقافوس Skogafoss ومدينة فيك الساحلية Vik
بين شلالات سكوقافوس Skogafoss ومدينة فيك الساحلية Vik

كانت الخطة لهذا اليوم هي صعود الجبال بجوار شبه جزيرة Reykjanes لكني قررت التقدم قليلا لرؤية بحيرة Kleifarvatn وتجولت على أطرافها ثم تقدمت قليلا فبُهِرت لمشهد الينابيع الساخنة التي تتغطى بالأبخرة. دفعني ذلك للتقدم أكثر فكانت جيولوجية الأرض تتغير مع تقدمي. مررت بمناطق تملؤها الحرّات المكسوة بالأعشاب والطحالب اللامعة تحت ضوء الشمس، تبدو هذه الحرات وكأنها أمطرت على الأرض حمماً في أيام مضت فتراكمت على بعضها ثم تكورت وتكلّست وتمّلست ودُهنت من أعلاها باللون الأخضر.
أخذت الأرض ترتفع عن شمالي وتنخفض عن يميني خلال مسيري، حتى بدا البحر المسطّح في مواجهة الجبال العظيمة التي تنزلق المياه على جوانبها. فأصبحت أسير أنظر إلى اليمين فأرى انبساط البحر واستوائه، وألتفت يسارا فأستهيب شموخ الجبال وأستملح ما تلبسه من الألوان وما تحمله من صنوف المواشي. بدا لي أن السحاب يخفي خلفه شيئا، ومع تقدمي ظهر جبل أبيض يلبس قلادةً زرقاء، لا أخفيكم أن فضولي حينها قد بلغ أشده فقررت ألا أتوقف إلا في شرق الجزيرة الآيسلندية برغم أن الأرصاد تحذر من تعرض الطريق إلى عواصف خطرة وأعاصير في الجزء الجنوبي حيث أقود سيارتي. كانت المراصد قد وضعت لوحات إلكترونية رقمية على الطريق لتحذير السائقين من التقلبات الجوية تتدرج ألوانها ما بين الأخضر والأحمر بحسب شدة العواصف (هل أحتاج إلى ذكر اللون الوحيد الذي ظهر لي؟ 🙂 ).

قرب إحدى هذه اللوحات شاهدت شبحاً لشخصين يلوّحان، فرحت لأني أحب إيصال الناس أكثر فرحهم هم بإيجاد من يوصلهم! فهي فرصة ثمينة لحوار بختصر عجائب الدولة وأسرارها وطبائع أهلها. كان الرفيقان هذه المرة زوج (ماركو وفرانشيسكا) أتيا من إيطاليا ليعملان في كشك صغير للقهوة في نهر جليدي يدعى Mýrdalsjökull يفصل بين جبلين بركانيين أسودي اللون. كانا لتوهم عائدين من إجازة قضوها بين أهليهم في إيطاليا، وطريقتهما في العودة هي أن يضعها حقيبتيهما على ظهريهما ويقفان على جانب الطريق في انتظار من يتكرم بإيصالهما. بذلك يوفران قيمة النقل بالحافلة وعناء الانتظار بين المحطات. وهما يسكنان عند مزارع بسيط في مزرعة على طريقي.

كان الحديث معهم كان مسلياً فقد اختصر ساعات من التخطيط والاطلاع على جغرافية الجنوب الآيسلندي وتاريخه، كما اختصر مسافة الطريق أيضاً. بعد إيصالهما دعياني إلى زيارة النهر الجليدي للاستمتاع به وبالقهوة المجانية التي سيقومان بإعدادها لي. لكن لم يتيسر لي ذلك.

“قهـ..ـوة، قهـ..ـوة، قهـ..ـوة، ..” لم تسكت هذه النداءات الدامغة حتى توقفت جانباً وأعددت كأساً من الـ(قهـ..ـوة).

أكلمت المسير فبدأت تظهر الرمال السوداء فكانت أشد سواداً من الطريق المعبد الذي أمشي عليه. ثم انقلبت الصورة إلى اللونين الأبيض والأسود، وجاء الضباب ليعزلني عن الجبال من حولي ويصنع لي مشهدا يطابق ما نراه في الأحلام بين الرمال البركانية. وقبل غروب الشمس بساعة وصلت إلى بغيتي، وهي البحيرة الجليدية القريبة من قرية Höfn. عندما وصلت كانت العاصفة كأشد ما يمكن أن تكون، فكنا لا نستطيع أن نستقبل الهواء لقوته مع شدة ضربات المطر. كنا أيضا نضطر إلى الجلوس لنحافظ على توازننا. وكان الناس يمشون إلى الوراء إذا أرادوا العودة إلى سياراتهم. لم أشهد طوال عمري عاصفة بمثل هذه الشراسة! ولم تبقَ شعرة في جلدي إلا وقد وقفت مشدوهة أمام ما رأيت. خُيّل لي أن المكان إن خلا من هذه العواصف فقد يكون مملّا أو موحشاً.

تشكيلات جليدية عملاقة في البحيرة الجليدية Jökulsárlón
تشكيلات جليدية عملاقة في البحيرة الجليدية Jökulsárlón

خلال عودتي إلى العاصمة توقفت قبيل غروب الشمس (التي لا أدري أصلا أين هي!) بجوار شلال Skaftafell العظيم، شاهدت هنا عددا من الطيور المهاجرة الغريبة. بعضها كانت قريبة مني بين الحشائش التي تكسو الجبال. وبعضها تطير في أسراب وتزين السماء بتشكيلاتها. صعدت الجبل الذي يجري خلاله الشلال، وأخذت أستمع إلى موسيقى الطيور المهاجرة وأتأمل الأرض التي أتيت منها في الأسفل وفي الأفق الباهت. لا أظن أن كلمة واحدة تقترب من وصف هذا المشهد أكثر من كلمة (موت)، إذا ما اتستثنينا جداول المياه التي تملأ المكان وتتفرع كالشرايين وتمضي إلى عالم الأحياء، فيما يلي هذه الأراضي الشاسعة أحادية اللون والتكوين.

مِنَح!

آيسلندا بلد تتغير تضاريسه بشكل مستمر بفعل البراكين والزلازل. مررت بأرض منبسطة كانت جزءا من المحيط في زمن مضى فلما انفجر البركان المجاور حولها إلى يابسة فزادت مساحة الدولة!

حرب الجليد والنار، من يغلب الآخر؟

مررت أيضاً ببركان نشط لا يُعلم متى يثور لكنه مراقب بكل حذر. ويقدر أن بين اندلاعه وحدوث الثوران ما يقارب الثلاث ساعات، ستقضيها الحمم البركانية في إذابة الجليد والثلوج المتراكم على الفوهة! سبحان الخالق.

تفسير

اكتشفت أن رائحة البيض المسلوق التي ذكرتها بالأمس هي رائحة مياه الينابيع حيث إنها غنية بمعدن الكبريت المتهم الأول بإطلاق هذه الروائح النفاذة.

ترقّب

للأسف لم أر الشفق القطبي هذه الليلة، ومن سوء حظي أنه ظهر البارحة وأنا نائم (كما يذكر ماركو).


اليوم الثالث: جولة في كوكب المريخ

3

لايوجد في هذا الكوكب مخلوق حي سواي، وشيء من الحشائش الصفراء، ومياه عابرة، وبرد يرجف له البدن.

جبال وبركان قديم وصخور سوداء مصقولة مذهلة التكوين تملأ المكان. أقول مذهلة لأني وقفت بينها صامتا مقشعرّ البدن، فكل صخرة تبدو كأنما تحمل تاريخاً، كأنما تمثل رمزاً معينا، كأنما نشأت في حدثٍ جيولوجي مختلف. لست أبالغ فهذا ما رأيت. لا توجد صخرة تنتمي إلى أخرى. فمنها المستطيل والمثلث والمخروط والمسطح، منها الأسود القاتم ومنها ماهو أفتح، منها المنقوش بالخطوط المنحنية ومنها المشروخ شروخا مستقيمة. منها مشطوفة الزوايا ومنها الحادة. كنت أمسح على صخرة تبدو ملساء فإذا هي تخدش الجلد بخشونتها. بعضها هشّ يسهل النحت عليه برغم ضخامته، وبعضها صلب جدا ومستوٍ من الأعلى لا يكاد يرتفع عن الأرض، هذه الصخور تحديداً كانت تتجمع بجوار بعضها لترسم مسارا لجداول المياه، وتنمو الأعشاب والطحالب على جوانبها.
في الأعلى يختلط سكون الموت ببهجة الحياة، فتجد صخرة سوداء صماء تجاورها بقعة ملونة بالزهور الوردية والصفراء وبعض النباتات القِزمية الجميلة.
مشهد الأفق في كوكب المريخ ضبابي تختفي خلفه قمم جبالٍ مسنّة، كانت في شبابها تلفظ الحمم وتهضم الأرض. أما الآن فمنها ما شاب رأسه ثلجاً ومنها ما طالته يد الصلع فلم يعد ينبت الزرع.

من حسن حظي أن العواصف اليوم استفردت بهذا الكوكب فقط من بين كل المناطق الأخرى في آيسلندا!

في قلب العاصفة، قرب الجبل المقدس Helgafell في منطقة هافنارفيوردور hafnarfjörður
في قلب العاصفة، قرب الجبل المقدس Helgafell في منطقة هافنارفيوردور hafnarfjörður

المشي في العاصفة الممطرة الباردة مؤلم فعلا. لا أقول أني ندمت أبدا بل العكس تماما. لكني لن أكرر التجربة ولا أنصح بها.

من أغرب ما شعرت به هو الدفء المنبعث من الأرض من تحتي. فقد كنت أمشي في بعض المناطق وأشعر بالدفء ينبعث من الأسفل برغم أن مقدمة وجهي تكاد تجمد من البرد.

من شدة البرد كنت ألمس أنفي وأتساءل: أنف مَن هذا؟

حتى قضاء الحاجة – أكرمكم الله – فهو من الصعوبة بمكان بسبب قوة العاصفة.

في هذا الكوكب لم أسمع شيئا غير صوت العواصف والمطر. ما عدا نصف دقيقة هدأت فيها الريح فسمعت أخيرا قرع حذائي بوضوح، توقفت لأسمع الصمت لكن الريح عادت تصرخ مرة أخرى.

هنا في العراء لا توجد شجرة أحتمي بها ولا بيت ولا حتى رمال تكفي لأن أندفن تحتها. هنا تذكرت يوم البعث، وتُلِيَت في داخلي نُذُر نوحٍ لابنه مقرّا بقدرة الله المطلقة: “قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم”. حتى هذه الجبال العظيمة تستوي على الأرض يوم القيامة، تصير قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عِوَجا ولا أَمتا، وأنا الحقير بينها لا أجد ما يمنعني من مطر السماء هنا، فمن يمنعني من القدر؟

في وقفة على مرتفع بين قمم الجبال اختلطت مياه المطر بشيء من الدموع. لا أعرف داعيها لكنها متناسبة مع ما انتابني من الذهول حينها.

خِفتُ العتمة فقررت العودة سريعا، كنت أحاول الاعتماد على حدسي لكن الأمر لم يكن هينا أبدا. شعرت بأقسى درجات الضعف وأنا أنظر إلى الجبال الباهتة من حولي! أين الطريق؟ عثرت على أثار حذاء فطبعت أثر حذائي بجانبه لأقارن بينهما، نعم هذا حذائي! لقد أتيت من هنا فعلا رغم أن المكان يبدو مختلفا كليا! بوصلة حدسي كانت تمدني بثقة تامة أن السيارة أمامي، فإذا بي أسير في الاتجاه المعاكس تماما. يبدو أن بوصلة حدسي مقلوبة. قضيت خمس دقائق داخل السيارة ويدي تحت إبطي أدفئها حتى أستعيد الإحساس من طول تعرضها للبرد. وظللت أرتعش حتى وصلت إلى غرفتي وخلعت ملابسي.

أعددت القهوة وجلست أكتب لكم هذه الكلمات. ووصلت إلى هذا السطر.


اليوم الرابع: دفءُ الأرضِ والسماء

4

خلعت معطفي أخيرا. لكن يبدو أني الوحيد الذي خلع معطفه. على أية حال فإن العواصف نالت مبتغاها ثم أكملت المسير بعيداً، وعادت الشمس لتسطع على الأراضي الرطبة وتستعيد بعضص ما انسكب من الماء إلى مخازن السماء.

كان هذا اليوم هادئاً، قضيت معظمه متجولا بين فوهات البراكين والبحيرات والينابيع القريبة، مستمتعا بقيادة السيارة في هذا الجو الرائع. لم يكن لدي ما يكفي من الوقت للاستكشاف أو الابتعاد عن العاصمة لارتباطي بموعد استلام الغرفة وتسليم السيارة واستقبال الثلاثي المرح الذين سأقضي معهم بقية أيامي هنا.

مدهش أن تكون أخبار البراكين والشلالات في منطقتك هي جزء من حديث القهوة أو جلسة السمر.

بحيرة Kerið وهي فوهة بركانية يزيد عمرها على ثلاثة آلاف سنة
بحيرة Kerið وهي فوهة بركانية يزيد عمرها على ثلاثة آلاف سنة

ستعتاد سماع الآلاف المؤلفة في عمليات البيع والشراء. فكوب القهوة مع وجبة خفيفة تكلف ما يزيد عن 2000 كرونة آيسلندية. هذه فرصة لتشعر بما يشعر به الأثرياء وهم ينفقون الآلاف على كوب قهوة وقطعة كيك بلا مبالاة.

آيسلندا أجادت استغلال حرارة باطن الأرض لإنتاج الكهرباء فأصبحت تغطي لوحدها أكثر من ربع إجمالي الاستهلاك. كما أن الأغلبية الساحقة من المياه الساخنة في المساكن تستجلب من حرارة باطن الأرض أيضا.

يقول الآيسلنديون: إذا لم يعجبك الجو فلا تقلق، انتظر خمس دقائق.

بهجة السماء بالصفاء عبر النافذة، طريق رقم 1
بهجة السماء بالصفاء عبر النافذة، طريق رقم 1

في الصورة قوس قزح هو من أجمل ما رأيت في حياتي. المميز في هذا القوس عن غيره مما رأيت هو أنه (ماخذ راحته) في السماء.

دار بيني وبين عامل محطة بنزين حوار لطيف:
هو: من أين أنت؟
أنا: من السعودية
أنت مسلم إذاً، تعرِف! جارتي مسلمة.
جميل! أنا نفسي لم أر عربيا غيري هنا! هل رأيت منها أي أمر غريب؟
لا أعتقد أنها أغرب مني (وكشف عن صدره فإذا بقلادة معلقة تحمل العديد من رموز عبدة الشياطين)
ضحكت ضحكة المتفاجئ ثم قلت: المهم أنها لطيفة معك ولم تر منها إلا ما يسرك.
فرد: بصراحة، عندما سكنت بجواري طرق جاري الباب علي وحذرني يهمس: انتبه! لقد سكنت بجوارك مسلمة! احذر! وقد كان مسيحياً، فقلت له ساخراً (والكلام لعامل المحطة): أني لست مسلما ولا مسيحيا لكني سأكون أنا الضحيّة لأني أسكن بينكما!
..
استمر الحديث مع هذا اللطيف وأخبرني بأنه أنهى قراءة القرآن كاملاً ثم قال:

منذ أن كنت صغيرا وأنا مهتم بالأديان، كنت كاثوليكيا في السابق لكني بدلت ديني، وما زلت أبحث، أنهيت قراءة القرآن كاملا في وقت قريب لعلي أهتدي إلى الدين الحق، والآن جاء دور اليهودية. وسنرى!

أحيي فيك حرصك على إيجاد الحقيقة بنفسك وعدم تسليم عقلك للآخرين (هداك الله).

وبس


اليوم الخامس: اليوم الطويل جدا

5

وصل الثلاثي المرح وانطلقنا لاستكشاف الشمال الآيسلندي. قبل الانطلاق جاء صاحب السكن الظريف الذي يشبه مصاصي الدماء، فلون شعره لا يمكن تمييزه عن لون جلده، وتجاعيد وجهه وانحناء ظهره ولطفه الزائد (وربما صوته) جعلنا على أهبة الاستعداد للهرب فور تحوله إلى مصاص دماء. ربما كان ينقصه أنياباً طويلة ولون الدم أسفل عينيه. عموماً، هذا الرجل اللطيف جاء قبل مغادرتنا وطلب مني أن أترك المكان نظيفاً، أتركه نظيفاً لأن عاملة التنظيف ستأتي لتنظيف المنزل فور مغادرتنا! يبدو أنه تلقى تهديدا قاسي اللهجة من عاملة التنظيف، وربما قالت له (جاية أنطف من وراك أنا ولا كيف؟). صاحب السكن هذا أعطاني استبانة تقييم لجودة السكن وقال: “أكرمني بتعبئة الاستبانة مع العلم أن هذا العمود هو عمودي المفضل” وأشار إلى عمود ممتاز (excellent)
قلت له: مادام هو عمودك المفضله فسأدعه لك نظيفا!

(يا حليلك يا دراكولا)

أطلقنا تسمية “السعبولة” على الشلالات الصغيرة. اكتشفنا بعدها أنها ليست صغيرة وإنما (بعيدة). أما “شلالات الآلهة” كما يسمونها فلها مشهد مهيب، وجمال أخاذ. لا تملك عندما تراها إلا أن تسأل الله من نعيم الجنة مما ترى من سحر العيون وما تسمع من “الضجيج الوردي” كما أترجمها من تسمية صاحبي. سنبيت هذه الليلة في منزل بمزرعة مطلة على النهر الذي يغذي هذه الشلالات. لا أطيق الصبر حتى تطلع الشمس وأرى هذا المنزل الريفي الجميل بكامل حلته. المنزل لوحده حكاية. ومنذ أن دخلته وأنا لا أكاد أتوقف عن الشرب من ماء الصنبور فهو ألذ وأنقى ما شربت في حياتي!

المنطقة التي يفترض أن نزورها اليوم هي بحيرة بركانية عظيمة مجاورة لبركان نشط، لكن لسوء حظنا فلا يمكن الوصول إليها في هذه الأجواء إلا على سيارات ضخمة تسمى “monsters”. ذكر لنا الآيسلنديون أن قريباً من تلك البحيرة بركان قد نشَط حديثاً وأخذ ينشر حممه بين جداول المياه، وذكروا أنا إذا رأيناها فنسكون قد رأينا ما لم يره أغلب الآيسلنديين أنفسهم! كنت متلهفاً لعمل حفلة شواء على حمم البركان يعقبها شاي بركاني (على الحِمم!). لكن للأسف، العين بصيرة والسيارة صغيرة.

ما زلت أترقب الشفق القطبي لكن توقعات ظهوره تتنافر مع موقعي الجغرافي كلما ارتحلت.

شلالات الآلهة كما يسمونها Godafoss
شلالات الآلهة كما يسمونها Godafoss

سحر

ما أجمل لون المحيط!

ترف

عشاؤنا هذه الليلة كلف 40160 كرونة آيسلندية، فقط. عيب العشاء الوحيد أننا حاولنا إيجاد عيب فيه ولم نستطع.

الغد يحمل الكثير من المفاجآت


اليوم السادس: اللمبات الخضراء

6

الطبيعة تشتكي من تسمياتنا الساذجة لها، فالشلالات (سعابيل) ورمال النهر (شاطئ نملة) والشفق القطبي (اللمبات الخضراء) واستكشاف أعماق الكهوف (عملية منظار).

ظاهرة الشفثق القطبي في ظلام الطريق الدامس
ظاهرة الشفق القطبي في ظلام الطريق الدامس [تصوير صديقي ثامر]

أجمل نهاية ليومنا المتعب كانت في عرس السماء المعروض أمامكم. إنها ظاهرة الشفق القطبي، حينما تزدهي السماء بأنوار تتمايل كأنما هي قطع رقيقة من قماش شفاف تتموج راقصة في منصة السماء السوداء. فمرّةً تُشِعّ خيوطاً ناعمة، ومرة تنير جانبا من جوانب هذه المنصة التي أحسن الله صنعها وزينها بالنجوم التي تزيد تألق المشهد في عيون المتأملين. توقفنا في مكان آمن على جانب الطريق بسيارتنا السوبارو وأغلقنا جميع الأنوار حتى ننفرد بأنوار مسرح السماء ونسبح الله على جميل صنعه. أخيرا شطبنا هذا السطر من قائمة الأمنيات. المكدر الوحيد لهذا المشهد هو أن عدستي الصلبة سقطت من عيني وضاعت قبل سويعات. ضاعت عندما سقطت في النهر تحت الطوف المطاطي. لا أخفيكم أني كنت أجهَدَ من أن أُظِهرَ تعابير الاندهاش على وجهي حينها أو أن أتشارك اللحظة مع الصحبة. كنت فقط أنظر إلى السماء بعين واحدة.

مغامرة الطوف المطاطي (rafting) في النهر هي الأخرى تم شطبها من قائمة الأمنيات. مدربنا النيبالي الجنسية أسرف في إملاء الأوامر عليّ لأنه فيما يبدو لا يتذكر غير اسمي أنا فقط من بين الراكبين في الطوف. فلما جدفت بطريقة خاطئة صاح علي قائلاً: “محمد! هذا مافي زين!” (قالها بالعربية المكسّرة!)، اكتشفنا بعدها أنه عمل في دولة قطر لبضع سنين. بعد أن قاربنا الثلاث ساعات بداخل النهر أعيانا التعب من التجديف والبرد فأخذنا نسلي أنفسنا ونغني: “يالله على بابك يا كريم، ماخاب طلابك يا كريم” فقاطعنا النيبالي الظريف صارخا بأغنيته النشاز: “يا هبييييبي يا هبيييبي (حبيبي!)”.

gpexportphoto-0003

النهر كان جميلا فعلا لكن في طريقنا إليه كنا نشق الريف في طريق وعر حتى مررنا بطفلة من ألطف وأجمل ما خلق الله ممتلئة بمعطفها الصوفي وتلوح لنا بكل براءة فرحا بمرور حافلتنا المليئة بالبشر، فهي فيما يبدو لا ترى الكثير من البشر، بل ربما كانت تحسن التواصل مع الخراف والخيول في مزرعة والدها (أو جدها) أكثر من البشر أنفسهم!

عندما مررنا بجانب هذا النهر كنا قد شبعنا بالفعل من جمال النهر فقد توقفنا قبله أمام بحيرة Mývatn الساحرة، كما أننا بتنا الليلة التي سبقتها بجوار النهر الذي يغذي شلالا عملاقا من أجمل وأضخم شلالات الأرض. هذا البيت حكايةٌ لوحده. وبصراحة أجد وصفه صعباً عليّ، لكن إن كنت من أصحابي فادعني إلى العشاء وسأريك بعض الصور ومقاطع الفيديو التي صورتها له. ولا مانع من أن تُتبعها بكوب قهوة أيضاً إن أردت أن ترى فيديو رحلة التجديف بالطوف 🙂

من داخل بيت المزرعة ذي الطابع الكلاسيكي (جدا)
من داخل بيت المزرعة ذي الطابع الكلاسيكي (جدا)

هذا اليوم من الأيام التي تُسجل للتاريخ.

وما زالت آيسلندا تصدمنا بعجائبها!

بعدسة ثامر
بعدسة ثامر

اليوم الثامن: في قلب الكهف

7

في صباح اليوم، بعد الصلاة والذكر ثم القهوة توجهنا إلى الجبل الأزرق حيث يبعد بضعة كيلومترات مشيا عن بركان Thrihnukagigur. هو في الحقيقة ليس بركاناً، بل هيكلٌ عظميّ لبركانٍ قديم. في طريقنا إلى البركان عبرنا القشرة الأرضية الأوروبية إلى القشرة الأمريكية، هاتان القشرتان تتباعدان بمقدار 2 إلى 3 سنتيمترات سنوياً لتمد الجزيرة الآيسلندية بمنح أراضي سنوية تضاف إلى المساحة الجغرافية الكلية لآيسلندا. عبرنا إلى القشرة الأمريكية – من غير تأشيرة – عبر جسر طوله بضعة أمتار. كانت المنطقة مغطاة بالحرات والطحالب والنباتات القزمية العائمة على أغادير المياه التي تملأ المكان. وبما أن منطقة الحرات شديدة النفاذية للمياه فهي من أهم مخازن المياه التي تغذي العاصمة. كنا فعلاً نرى العاصمة بأكملها حينما وصلنا إلى فوهة البركان. وعندما نزلنا إلى قلب البركان كان فوقُنا يمطر رذاذا من المياه المترشحة عبر الحرات. وكان القلب غنيا بألوان الطبيعة، فهناك اللون الأحمر والذي يمثل في أغلبه برادة حديد صدئة، وهناك المغنيسيوم والكالسيوم والفضة وغيرها. بعض أجزاء قلبِ البركان كانت ملونة بفعل انتشار هذه المعادن وبعضها كانت سوداء أحادية اللون. هذه الأخرى كانت مزيجاً مصهوراً من معادن الأرض، سجنها الجليد حتى يئست من الهرب، فبردت وتصخرت كما هي على هيئتها! فكل كتلة سوداء من هذا النوع هي في حقيقتها عَلَمُ انتصارٍ للجليد على حِمم النار!

نظرة داخل البركان
نظرة داخل البركان

من عجائب هذا البركان أيضا أنه برغم خموله فترةً من الزمن إلا أن الحمم التي يحتويها تنفجر براكين في مناطق قريبة. وهو نفسه لم يكن جبلا في يوم من الأيام حتى دفعته طاقة حرارية هائلة انبعثت من باطن الأرض فشكلت ثلاثة جبال بركانية متجاورة. آخر عجيبة يجدر ذكرها عن هذا البركان هي أنه حافظ على هيكله الداخلي بعد اندلاعه ولم ينهدم على نفسه كما تجري العادة، لذلك حظينا بفرصة استكشافه من الداخل بكل أمان.

بعدها تناولنا حساءً آيسلندياً تقليدياً يعتبر من طقوس الشتاء الآيسلندي، وتبادلنا الحديث مع بعض الآيسلنديين حول خرافات آيسلندا الغريبة التي يصدقها معظمهم. أبرز هذه الخرافات هي وجود أقزام (Elves) من الجن يسكنون في المناطق النائية ويؤذون من يعتدي على أراضيهم. لأجل هذه الخرافات (أو لِنَقُل: الاعتقادات) ملأ الآيسلنديون طرقهم بالتعرجات ليتفادوا المناطق والأحجار التي يخشونها ويشتبهون في وجود حراسات أمنية من الجن عليها (سيكيوريتي!). ويذكرون أنهم لولا بعض التعاويذ لما استطاعوا إكمال بعض أجزاء طريقهم الرئيسي المعروف بطريق رقم “1”.

الجسر العابر للقارات!
الجسر العابر للقارات!

اليوم التاسع: رحلة الدفع الرباعي

8

إنه يوم المغامرة، يوم استكشاف جبال وأودية الجنوب الآيسلندي بسيارتنا الديفيندر.

في الطريق إلى وادي Landmannalaugar
في الطريق إلى وادي Landmannalaugar

قبل أن ننطلق زارنا صاحب البيت وأعطانا خطة مسير جيدة اختصرت علينا وقتا من التخطيط. روح هذا الرجل جميلة جدا مثل بيته. بالمناسبة، أجد بيته الذي نسكن فيه أجمل من بيت أحلامي! فهو بيت حديث مبني على طراز البيوت الآيسلندية الشعبية. فبيوتهم تكون على شكل موشور وتُغَطّى أسقُفُها من الخارج بالعُشب لسببٍ ما لا أعرفه، لكنه ابتكار جميل. سكنت فيه مصممة مبدعة لبضع سنوات فحولته إلى البيت الذي كانت تتمناه لنفسها حتى أصبح في غاية الإتقان. الخشب الطبيعي عالي الجودة يملأ الأسقف والأرضيات. والزجاج ينفذ نور الشمس فيبهج المكان، والإضاءة مهندسة بشكل متقن، ولديه شرفتان: علوية وأخرى سفلية.

إعداد خطة السير
إعداد خطة السير بكل إخلاص 🙂

يطل البيت مباشرة على نهر جميل وترى خلفه جبلاً عظيماً مغطىً بالثلج، وجبلاً آخر أخذت دورةً تدريبية في كيفية نطق اسمه (Eyjafjallajökull) وهو البركان الذي اندلع عام 2010 وعطل الكثير من رحلات الطيران، الشمس تشرق من جهتهما وتغرب من الجانب الآخر، وكل مشهد ينتقي ما يناسبه من ألوان الطبيعة الساحرة. تخيل أنك تصحو مع الشمس وتتجول حول منزلك (أو لنقل على ضفة النهر البديع وفي غابة صغيرة بجوارك) ثم تجلس وحيداً أمامه تكتب مذكراتك وتتدفأ بلهب الشمس كما أفعل الآن تماماً. آخ، كم أغبطني.. – صاحب البيت ترك لنا العديد من المنشورات السياحية، فهو يحب بلده ويحب أن نحبه نحن. وأجمل ما أطلعني عليه هو كتاب مصور يحمل مجموعة بديعة من الصور الجوية للجزيرة بعضها صُوِّرَت قبل سنتين أو ثلاث وبعضها صُوِّرَت قبل أن يتخرج والدي من الجامعة!

المصادفة هنا هي أن مؤلف هذا الكتاب هو جارنا صاحب البيت الملاصق لنا! لم نستطع الانتظار فذهبنا إليه وطرقنا بابه لنطلب منه نسخاً من كتابه، فكان من حظنا أننا أول سعوديين يكلمهم طوال سنين عمره الخمسة والستين، برغم أنه طيار متقاعد ورحّالة مع عمليات إحياء السلام التابعة للأمم المتحدة. كونه طياراً مكنه من التقاط هذه الصور البديعة النادرة التي تجمع المتضادين (الجليد والنار) خلال حربهما الأبدية في أرض المعركة الجيولوجية الآيسلندية.- انطلقنا بعد ذلك لاستكشاف عجائب الخلق بين جبال وأودية الجنوب العجيبة. وصفها يطول ولا يكمل المشهد. لذلك لن أصفها هنا.

منزلنا الآيسلندي [بعدسة ثامر]
منزلنا الآيسلندي [بعدسة ثامر]

وصلنا إلى نبع ساخن بوادي Landmannalaugar وكان محاطاً بالجداول الجميلة. وكنا بسيارتنا نخترق تضاريس الأرض على طريق معرّف مسبقاً. كنت أقول لأصحابي أن على الآيسلنديين فرض رسوم على هذا الطريق فمتعة القيادة عليه بهذه السيارة الصلبة تضاهي متعة ركوب الملاهي 🙂

مررت على نقطتي البداية والنهاية لطريق مشاةٍ يمتد لحوالي 100 كيلو متر، وهو واحدٌ من أجمل طرق صعود المرتفعات في العالم كله. منعني الجو من خوض هذه التجربة لكني أنوي العودة إليه في صيفٍ ما قريب إن كتب الله. (ونرحب بالصحبة).

الأراضي الآيسلندية بمثابة المحمية، فحتى إن كانت الطرق مغمورة بالمياه تظل القيادة خارج الطريق محظورة تجنباً لأي تخريب للطبيعة!
الأراضي الآيسلندية بمثابة المحمية، فحتى إن كانت الطرق مغمورة بالمياه تظل القيادة خارج الطريق محظورة تجنباً لأي تخريب للطبيعة!

بعد أن عدنا إلى المنزل استضفنا جارنا مؤلف الكتاب ليوقّعه لنا، وجلسنا معه جلسة سمر غاية في الجمال، رغم أن عيوننا كانت ترفرف من شدة الإنهاك. هذا الرجل الستينيّ كان يعاني في شبابه من الربو، وكان كسولاً – على حد تعبيره – حتى قرر أن يتعلّم السباحة فراقت له، وبرّع فيها وتقوّى جسمه واتسعت رئتيه حتى لم يعُد للربو أي أثر! ثم زاد شغفه بالسباحة في الماء البارد تحديداً! فكان يسبح في المحيط ولا يأبه للبرد، حتى إنه سبح مرة في جو درجة حرارته 4 تحت الصفر. فكانت أجزاء من المياه تتجمد بسرعة وتتحول إلى أشواك تخِزُّ جسده! قال مفتخراً: “هذه من التجارب التي لن أنساها طوال عمري”

وذكر بعد ذلك ماهو أغرب، كان على وشك استئصال الشريان الذي يوصل الرئتين بالقلب وزرع بديل صناعي، لكن بعد الفحص الطبي الدقيق تبيّن أن ممارسته للرياضة على المدى الطويل ساعدت في نمو شرايين ثانوية مدعمة تكفي حاجته وتغنيه عن الشريان الرئيسي!

الطيار السباح Björn Rúriksson وهو يوقع لنا نسخنا من كتابه البديع Icelenad From Above
الطيار السباح Björn Rúriksson وهو يوقع لنا نسخنا من كتابه البديع Icelenad From Above

سأتوقف هنا فقد بدأت أفقد الإحساس بأصابعي التي أكتب لكم بها من شدة البرد


اليوم العاشر والأخير: وهج الختام

9

التطفل على الفرسان!
التطفل على الفرسان!

للأسف هذه هي ليلتي الأخيرة في هذه الجزيرة. وأجمل ختام لهذه الرحلة هو وداع السماء، فقد استعدت الجزيرة هذه الليلة لنشاط استثنائي لأضواء الشفق القطبي حيث يتوقع أن يصل إلى أعلى مستوياته، فاستعدت العاصمة بإغلاق أنوار الشوارع والأماكن العامة لاستقبال وهج السماء الساحر. ونقف الآن على شاطئ المحيط في ظلام دامس في وسط المدينة بين المتفرجين، وكدت مراراً أن أصطدم بأحدهم بسبب الظلام الدامس الذي تزامن مع فقداني لعدستي الصلبة.

صاحب البيت الذي استأجرناه كان يعمل في محطة لتوليد الطاقة من حرارة باطن الأرض، وكان بجوار المصنع ينبوع ساخن اعتاد الاسترخاء فيه بعد عناء العمل، فكان أحيانا يغمس جسده في الماء وشعره مملوء بالثلج المتساقط في برد الشتاء!

ذكر أنه في إحدى ليالي الشتاء كانت أضواء الشمال تملأ السماء، وهدوء الينبوع مكنه من سماع أزيز الشفق القطبي أيضا وهو يتأين في السماء!

بالمناسبة، هذا الرجل من ألطف من خلق الله في الأرض، فقد لحق بنا بسيارته ليعطيني نظارتي التي فقدتها ووجدها في إحدى جوانب البيت بعد أن غادرنا! كان قبل ذلك قد أكرمنا بتذوق قهوة هاييتي عظيمة السواد كما يحبها هو. فكان يرشح القهوة بسكب الماء عليها، ثم يعيد سكب القهوة المترشحة على البن مرة أخرى ليحصل على القهوة الثقيلة التي ترضي ذائقته. أكرمنا بجلب المخبوزات الآيسلندية التي يحبها أيضا. كم هم محظوظون بجودة مخابزهم.

تجربة ركوب الخيل كانت مدونة في قائمة أمنياتي وشطبتها اليوم. ركوب الخيل لا يشبه السيارة بأي حال من الأحوال، فللخيل أرواح وطباع، تتملكك الرحمة بها وتربطك بها علاقة متينة، قد تحبك فتطيعك وقد (لا تدخل مزاجها) فتعاندك، منها ما طبعه الكسل ومنها النشيط المطواع. سبحان الخالق “لتركبوها وزينة”.

مزرعة Sólhestar حيث امتطينا ظهور الخيل
مزرعة Sólhestar حيث امتطينا ظهور الخيل

تم التشطيب أيضا على بند (تجربة الطيران) من قائمة الأمنيات، ومن حسن حظي أني طرت مع الغروب ومعلمي الطيار نفسه انبهر من جمال المشهد الذي لم ير مثله في كل رحلاته في آيسلندا. أظنه كان أسعد مني بتلك الرحلة والله أعلم!

gpe-xportphoto-0003

نحن مشردون بلا مأوى هذه الليلة، لذلك سنسهر حتى موعد رحلة العودة عند الفجر.

هنا تنتهي أيامي الآيسلندية العشرة التي لن أنساها أبدا.. أبدا

قد أنشر بعض المذكرات المبعثرة والصور في حسابي على إنستقرام، لكن اليوميات تنتهي هنا

وشكرا لصبركم

من “السيد بطاطس” إلى “عداء الماراثون”: تجربتي في ماراثون فولكس واجن في براغ

قرأت كثيرا في تجارب عدائي الماراثون والاستعداد له، كان الأغلب متفقون على أن الماراثون ليس بالأمر السهل، ويتفقون أيضاً على أن أي إنسان يتمتع بصحة جيدة يستطيع إنهاء الماراثون. رأيت صوراً مقرفة لأقدام بعض العدائين بعد الماراثون، وسمعت من بحذر من إصابات الماراثون التي قد ترافقك إلى الأبد، وسمعت عن ما يسمى (بالارتطام بجدار التحمل Hitting the wall) حيث تنخفض مستويات الجلايكوجين في الجسم فـيَصِلُ إلى حالة إجهاد حادة ومفاجئة تمنعه من الاستمرار. ويذكر أن هذه الحالة تصيب حتى اللائقين بدنيا في الجزء الأخير من الماراثون نظرا للمسافة الطويلة التي يجب أن يقطعها باستمرار ودون توقف. لذلك يؤكد المختصون على أهمية التغذية السليمة قبل وأثناء وبعد الماراثون وعدم الاستهانة بذلك أبدا. حتى أني قرأت أن مجرد شعورك بالجوع أو العطش خلال الجري فهذا يعني أن الوقت متأخر جدا لتعويض ما فقده الجسم وسد احتياجاته. ونشأة الماراثون تاريخياً مستقاة من قصة المراسل الإغريقي الذي قطع مسافة مقاربة لمسافة الماراثون المتعارف عليها من أرض المعركة إلى أثينا لإعلان هزيمة الفرس. ثم سقط بعدها ميتاً! وأبشركم بحمد الله أنه قد شارك معي أكثر من عشرة آلاف عداء من 129 دولة ولم يمت منا أحد 🙂

كنت أنتظر الماراثون بفارغ الصبر برغم أني لم أعطه القدر الكافي من الاستعداد، فأطول مسافة قطعتها عدواً أو هرولة لا تتجاوز 15 كلم. بينما مسافة الماراثون تقارب ثلاثة أضعاف هذا الرقم! محاولة رفع هذا الرقم خلال أسابيع لن يجدي نفعاً كما يذكر الرياضيون. فلا ينصح بالعادة أن تزيد المسافة المعتادة بأكثر من 10% فالجسم لن يبني نفسه للمستوى المطلوب. كما أن الأسابيع القليلة التي تسبق الماراثون يجب أن لا تحتوي على جري لمسافات طويلة لم يعتد عليها الجسم لأن ذلك يضعف من قدرة التحمل أثناء الماراثون أكثر مما ينفعه. ونصبحة أخرى قرأتها كانت غريبة بعض الشيء وهي أن قوة الجزء العلوي من الجسم تساهم كثيرا في أداء عدائي الماراثون! لذلك اقتصرت على تمارين اللياقة القلبية البدنية وركوب الدراجة. وكانت رحلتي بالدراجة من لندن إلى باريس تسبق الماراثون بأسبوع ونصف ولم تكن منهكة للجسم فأظنها كانت فكرة جيدة بديلة عن التدريب. قضيت بعدها أسبوعاً أتمشى في شوارع باريس قاطعا ما بين 20-30 كلم في كل يوم. بعدها أظنني ارتكبت غلطة حيث أجهدت نفسي بتمرينٍ لياقي مكثف تسبب في تمزق عضلي في الظهر. لم يكن التمرين يتسبب في ذلك بالعادة لكني زدت في الأوزان والجهد والسرعة إلى مستوى عالٍ جدا لم أتعود عليه فكان ماكان.

سافرت إلى براغ وقضيت اليوم الذي يسبق الماراثون بالتجول في معرض الرياضة المصاحب للماراثون وإجراء بعض الفحوصات البسيطة لمستويات البروتين والسوائل في الجسم. واستلمت قميصي وحقيبتي وشريحة حساب الزمن. وعدت إلى الفندق وتناولت الكثير من الكربوهيدرات على العشاء كما ينصح المختصون.

في الصباح التالي استيقظت باكرا وتوجهت إلى موقع الماراثون فوجدته خالياً على عروشه! بعد التقصي اكتشفت أني أخطأت في المكان لأن نوع الماراثون الذي سجلت فيه سيبدأ في مكان آخر يبعد بضعة كيلومترات. فذهبت مشيا على الأقدام وتركت سيارتي في مواقف بعيدة نوعاً ما. وصلت إلى أرض المعركة لكني لم أتناول إفطاري كما كنت أخطط، فعوضت ذلك بتناول الحليب الذي كان يوزع مجانا هناك.

بدأ السباق *جزء من النص مفقود!* وانطلقنا في موكب لا أرى أوله ولا آخره. كان الجميع متحمساً ويركض بسرعة وكنت أتجنب الإسراع لسبب بسيط وهو أن لكل عداء سرعته الخاصة ونحن في ماراثون وليس في سباق. فكنت أحاول الحفاظ على مستوى سرعتي الخاص وكان ذلك محبطا حيث أنني أصبحت أضايق الناس الذين يتجاوزونني واحدا بعد الآخر! لكني كنت على يقين أن هؤلاء ما بين متحمس سيقف متعباً بعد برهة، أو عداء محترف لا يجدر بي أن أحشر أنفي بأنفه!

كان المنظر جميلاً والابتسامة تملأ الوجوه، وكانت الشمس الساطعة محمودةً في هذا الوقت وخفيفة الظل على جلود الناس.

استمر العدو السعيد لفترة من الزمن، تنوع العدائين العرقي والعمري كان عجيباً جدا. والكثير منهم شاركوا دعما لمنظماتٍ أو أنشطةٍ خيرية. أرى بعضهم شاركوا من بريطانيا من جمعيات خيرية محلية تعنى بالسرطان وغيره، وبعضهم من جامعتي حتى! بعضهم شارك دعما لطفل لقيط أو معاق يتبادلون دفعه وهو جالس على عربيته. وهناك من شارك فقط ليدخل السرور على بقية المشاركين بملابسه المضحكة وحركاته الغريبة.

حرصت وأنا أعدو أن لا أهتم كثيرا بالمسافة التي قطعتها لأنها ستضعني في صراع نفسي لا أحتاج إليه، فأنا أتوقع الوصول إلى خط النهاية بعد خمس إلى ست ساعات وهذا يعني ببساطة: “هروِل إلى اللا نهائية وما بعدها” فكان عليّ أن أصنع روتينا لحركة قدميّ وأثبّت السرعة ثم أنسى جزئي السفلي وأستمتع بالرحلة. كنت مستمتعاً مندمجاً حتى وصلت إلى الكيلو الخامس عشر حيث قررت التوقف لعمل بعض تمارين الاستطالة واستعادة النفَس العميق وارتشاف الماء ثم العودة بكل نشاط. لكن بمجرد توقفي دارت بي الدنيا وفقدت توازني وكدت أن أسقط! التمزق العضلي في ظهري أخذ يوالي طعناته ويجمّد حركتي! أصبت بالإحباط الشديد لأني لا أريد التوقف لهذا السبب السخيف، فقدماي لم تشعران بعد بأي تعب وهما المسؤولتان عن إيصالي إلى خط النهاية! كل ما أرجوه من ظهري أن يبقيني منتصبا فقط! مر بجانبي عدّاء لطيف ربّت على كتفي وشجعني على الاستمرار فكنت بالكاد أجمع النفس لأرد عليه. حاولت حل المشكلة وإكمال العدو ووصلت إلى حل، استطعت أن أعدو مرة أخرى لكن بمجرد توقفي أو التفاتي إلى الوراء يشتد الألم أكثر.

انتصفت الماراثون *جزء من النص مفقود* وبدأت قدمي تعتاد على طريقة الهرولة لكن بالمقابل كان الجسم يبدو كأنه يرفض أن يحرك العضلات بغير الحركة التي اعتاد عليها. حيث إن القفز أو الإسراع أو التمايل أو صعود الرصيف أو حتى رفع القدم لمستوى أعلى قليلا، كل ذلك كان مجهداَ كأنني جالس مسترخٍ وأريد القيام فجأة. قرأت أن أجزاء من الجسم في هذا المستوى تتعرض لبعض التلف جراء تكرار الحركات والضغط على المفاصل لعدة ساعات مما يتطلب أسبوعين – أقل أو أكثر- من الاسترخاء بعد الماراثون لإعادة ترميم العظام وبناء العضلات.

في الماراثون يتفاوت الناس في سرعاتهم لكن بعد النصف الأول منه تنشأ ألفة بينك وبين العادين بجوارك نظرا لتقارب المستوى اللياقي. تجاوزت صاحبي الذي شجعني عندما توقفت وأبدى سروره لعودتي وشكرته ثم تجاوزته. ووجدت نفسي مع مجموعة العدائين المتطوعين من أجل الطفل اللقيط، يبدو من لغتهم أنهم من شرق أوروبا لكنا كنا نتمازح بالانجليزية بين فترة وأخرى. كما أن المدينة جميلة جدا بعمرانها، بنهرها، بأفقها المليء بلوحات الريف التي تجمع الأخضر والبني الغامق ما بين الجبال الطبيعية والعمران.

اشتدت الشمس فطفقنا نعصر الإسفنج المشبّع بالماء البارد والتي يوزعها متطوعون مع الماء وعصير الليمون والموز والبرتقال المقطّع الجاهز. فكنا نمر ونلتقط الموزة ونغمسها غمسة في الملح وأخرى في السكر ونبتلعها ثم نلتقط كأس الماء فعصير الليمون فالإسفنج. ووضعوا أيضاً دورات مياه متنقلة لمن أقلقلته نداءات الطبيعة!

بعد أن تجاوزنا الكيلو متر الثلاثين أصبنا بالإنهاك. وبدأت تتطاول الكيلو مترات، أو حتى نكون أكثر صراحة: تباطأت الأقدام، وتقاربت الخطى، و(والعبارة تخصني وحدي هنا) أعيانا الجوع. فوضعت سماعة الأذن لأسلي نفسي بسماع أي شيء، أي شيء يملأ الفراغ ويأخذ العقل بعيداً عن المضمار والرتم الذي لا نهاية له. بدأت أشعر أن الوقوف أصعب من المشي فقللت مرات الوقوف للارتواء أو تناول السكريات والأملاح.

بقيت تسعة كيلو مترات وتحولت الهرولة إلى دقيقة مشي ودقيقة هرولة، ثم أصبح المشي السريع سيّد الموقف، كان العديد من الناس يقفون مشجعين ويصفقون لنا لكي نهرول مرة أخرى، وكنت أمر على بعضهم فأقول أن عضلاتي أصبحت ترفض ذلك، حتى وصلت إلى رجل صفق لي وقال: لم يبق شيء أبدا! مجرد كيلو مترات بسيطة، لا تستحق التوقف، أكمل! فعادت الطاقة لبعض الوقت. بدا كل مشجع كأنما يحمل كأسا من وقود يملأ به شيئا من الخزان يكفي حتى أصل إلى المشجع الآخر وهكذا!

لم يتبق على الماراثون إلا ثلاثة كيلومترات، كانت عجيبة غريبة! فقد كان لها أثرا على العقل والنفس لم أشعر به من قبل! دع الجسد الآن، أنا أشعر بشيء آخر! العاطفة كانت جياشة إلى أبعد حد، كنت أرى طفلا يصفّق لي فأدمع، كنت أتذكر أصحابي القدامى فأموت شوقاً، غاص العقل في أفكار لا قاع لها، وكأنما بدأت نفسي بالبوح بأسرارها إلى نفسها! وصفي يبدو غبيا بعض الشيء لكني لم أجد وصفاً آخر. أو ربما لم يتح لي صياغة موقفي آنذاك حتى تلاشى المؤثر وبقيت النتيجة فقط. ومما طمأنني أني لم أكن الوحيد الذي يمر بهذه الحالة بين عدائي الماراثون!

وصلت إلى جماهير الناس وتغيرت وحدة اللوحات الإرشادية من الكيلومتر إلى المتر. تذكرت حينها أني يجب أن أتبسم لأن الكاميرات ستكون بانتظاري، وكنت وقتها أمشي مشيا شبه سريع لكني قد أبقيت مخزونا من طاقة الجري ما يكفي لمئة أو مئتي متر، وهي كافية – بإذن الله – للتظاهر أمام الكاميرات وهتافات المصفقين أني ما زلت بكامل حيويتي ونشاطي!

وصلت، نعم وصلت! وقفزت عند خط النهاية -أو أزعم أني قفزت- *جزء من النص مفقود* ثم قلدوني الوسام والتقطوا لي بعض الصور وخرجت بعدها تالف الجسد أبحث عن سائق أجرة يوقفني غاضبا على بعد بضعة كيلو مترات من موقف السيارة لأن جوالي تعطل ولم أستطع تحديد مكان سيارتي بدقة. حينها مشيت أطول ثلاثة كيلو مترات في حياتي! وصعدت أطول درج فندق -من طابقين- في حياتي. في اليوم التالي عرفت لماذا تنزل جدتي الدرج على جانبها، ولماذا تتحرك ببطء، ولماذا لا تكمل ثني ركبتها، ولماذا أسمع طقطقة عظامها! وعرفت لماذا مع كل هذه التسهيلات، تتألم! حفظها الله ومد في عمرها وصحتها 🙂

كنت محظوظا على الأقل لأني لم أرتطم بجدار الماراثون!


حقائق وأرقام:

  • الماراثون أقيم في براغ عاصمة جمهورية التشبك
  • تاريخ الماراثون: 8 مايو 2016
  • المسافة: 42,195كلم
  • وقت الانطلاق: التاسعة صباحا
  • عدد المشاركين: 10613 عداء من 129 جنسية
  • زمن الوصول: 5:40:09
  • الزمن الحقيقي: 5:33:01
  • ترتيبي حسب زمن الوصول: 5355
  • ترتيبي في فئتي (مهندسون متوسطو العمر): 197
  • تفاصيل أدائي في الماراثون وقراءات نبضات القلب على سترافا Strava

** السيد بطاطس مستعارة من تعبير انجليزي مشهور حيث يسمون نمط الحياة الكسول بـ Couch potato

*** الأجزاء المفقودة من النص تجتمع لتكون قصة منفصلة وظريفة حدثت في الماراثون .. لا تصر علي فلن أذكرها لك 🙂